وهنا يخبر الحق سبحانه رسوله، وأي سامع لهذا البلاغ يستقرئ موكب الرسالات السابقة ؛ وسيجد أن كل أمة أرسل لها رسول مكرت به وكادت له كي تبطل دعواه، ولم ينفع أي أمة أي مكر مكرته أو أي كيد كادته، فكل الرسالات قد انتصرت.
فسبحانه القائل : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي.. " ٢١ " ( سورة المجادلة )
وهو القائل : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين " ١٧١ " إنهم لهم المنصورون " ١٧٢ " وإن جندنا لهم الغالبون " ١٧٣ " ( سورة الصافات ).
والحق سبحانه حين يورد حكماً في القرآن ؛ وهو الذي حفظ هذا القرآن ؛ فلن تأتي أي قضية كونية لتنسخ الحكم القرآني.
وأنت إذا استقرأت مواكب الرسل كلها تجد هذه القضية واضحة تماماً ؛ كما أثبتها الحق سبحانه في القرآن المحفوظ ؛ وما حفظه سبحانه إلا لوثوقه بأن الكونيات لا يمكن أن تتجاوزه.
وبالفعل فقد مكرت كل أمة برسولها ؛ ولكن الحق سبحانه له المكر جميعاً ؛ ومكر الله خير للبشرية من مكر كل تلك الأمم ؛ ومكره سبحانه هو الغالب، وإذا كان ذلك قد حدث مع الرسل السابقين عليك يا رسول الله ؛ فالأمر معك لابد أن يختلف لأنك مرسل إلى الناس جميعاً، ولا تعقيب يأتي من بعدك.
وكل تلك الأمور كانت تطمئنه صلى الله عليه وسلم ؛ فلابد من انتصاره وانتصار دعوته ؛ فسبحانه محيط بأي مكر يمكره أي كائن ؛ وهو جل وعلا قادر على أن يحبط كل ذلك.
ويتابع سبحانه في نفس الآية : يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار " ٤٢ " ( سورة الرعد )
والحق سبحانه يعلم ما يخفي عن الأعين في أعماق الكائنات ؛ خير هو أو شر، ويحمي من شاء من عباده من مكر الماكرين، وينزل العقاب على أصحاب المكر السيء بالرسل والمؤمنين.
ولسوف يعلم الكافرون أن مصيرهم جهنم، وبئس الدار التي يدخلونها في اليوم الآخر ؛ فضلاً عن نصرة رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا وخزيهم فيها. وهكذا يكونوا قد أخذوا الخزي كجزاء لهم في الدنيا ؛ ويزدادون علماً بواقع العذاب الذي سيلقونه في الدار الآخرة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي