وإن تعجبُ - يا محمد - لقولهم فهذا موضعٌ يَتَعَجَّبُ منه الخَلْق، فالعَجَبُ لا يجوز في صفة الحقِّ، إذ إن التعجبَ الاستبعادُ والحقُّ لا يَسْتَبْعِدُ شيئاً، وإنما أثبت موضعَ التعجب للخَلْق، وحَسَنٌ ما قالوا :" إنما تعجب من حجب " لأنَّ مَنْ يَنَلْ عيونَ البصيرةِ لا يتعجَّبُ مِنْ شيء.
وقومٌ أطلقوا اللفظ بأن هذا من باب الموافقة أي إنك إن تعجب فهذا عجب موافقتك له.
وإطلاق هذا - وإن كان فيه إشارة إلى حالة لطيفة - لا يجوز، والأدبُ السكوتُ عن أمثال هذا. والقوم عبّروا عن ذلك فقالوا : أعجبُ العجبِ قول ما لا يجوز في وصفه العجب. . وإنْ تعجَّب.
وقوله تعالى : أَءِذَا كُنَّا تُرَاَباً أءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ : استبعادُهم النشأةَ الثانيةَ- مع إقرارهم بالخَلْقِ الأولِ وهما في معنىً واحد - موضعُ التعجب، إذ هو صريح في المناقضة، وكان القومُ أَصحابَ تمييز وتحصيل، فقياسٌ مثل هذا يدعو إلى العجب. ولكن لولا أن الله - سبحانه - لَبَّسَ عليهم كما قال : فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [ يس : ٩ ] - وإلا ما كان ينبغي أَنْ يخفي عليهم جواز هذا مع وضوحه١.
لطائف الإشارات
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري