إنكار المشركين للبعث والنبوة :
* وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ٥ ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ٦ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد [ الرعد : ٥ -٧ ].
تفسير المفردات : العجب : تغير النفس حين رؤية ما يستبعد في مجرى العادة. والأغلال : واحدها غلّ، وهو طوق من الحديد طرفاه في اليدين ويحيط بالعنق.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر إنكارهم لوحدانيته تعالى مع وضوح الأدلة على ذلك، من خلق السماوات بلا عمد وتسخير الشمس والقمر يجريان إلى أجل مسمى ومن مد الأرض وإلقاء الجبال الرواسي فيها إلى آخر ما ذكر من الآيات الدالة على عظيم قدرته وبديع صنعه لمن يتأمل ويتفكر في ذلك الملكوت العظيم ذكر هنا إنكارهم للبعث والنشور على وضوح طريقه وسطوع دليله قياسا على ما يرون ويشاهدون، فإن من قدر على خلق السماوات والأرض وسائر العوالم على هذا النحو الذي يحار الإنسان في الوصول إلى معرفة كنهه لا يعجز عن إعادته في خلق جديد كما قال تعالى : أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى [ الأحقاف : ٣٣ ].
الإيضاح : وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أي وإن تعجب من عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع من الأصنام والأوثان بعد أن قامت الأدلة على التوحيد، فأعجب منه تكذيبهم بالبعث واستبعادهم إياه بقولهم :
أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أي أئذا فنينا وبلينا نعاد بعد العدم، مع أنهم لا ينكرون قدرته تعالى على إيجادهم بداءة ذي بدء وتصويرهم في الأرحام وتدبير شؤونهم حالا بعد حال.
وقد تكرر هذا الاستفهام في أحد عشر موضعا في تسع سور من القرآن : في الرعد، والإسراء، والمؤمنون، والنحل، والعنكبوت، والسجدة، والصافات، والواقعة، والنازعات ! وكلها تتضمن كمال الإنكار وعظيم الاستبعاد.
ثم وصف أولئك المنكرين للبعث فقال :
أولئك الذين كفروا بربهم أي أولئك الذي جحدوا قدرة ربهم وكذبوا رسوله على ما عاينوا من آياته الكبرى التي ترشدهم إلى الإيمان وتهديهم سبيل الرشاد لو كانوا يبصرون هم الذين تمادوا في عنادهم وكفرهم، فإن إنكار قدرته تعالى إنكار له لأن الإله لا يكون عاجزا.
وأولئك الأغلال في أعناقهم أي أولئك مقيدون بسلاسل وأغلال من الضلال تصدهم عن النظر في الحق وإتباع طريق الهدى والبعد عن الهوى كما قال :
كيف الرشاد وقد خلفت في نفر لهم عن الرشد أغلال وأقياد
وقد يكون المعنى : إنهم يوم القيامة عند العرض للحساب توضع الأغلال في أعناقهم كما يقاد الأسير الذليل بالغل، ويؤيده قوله تعالى : إذ الأغلال والسلاسل يسحبون ٧١ في الحميم ثم في النار يسجرون [ غافر : ٧١ ٧٢ ].
وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون أي أولئك هم الماكثون في النار دار الذل والهوان لا يتحولون عنها ولا يبرحونها كفاء ما سولت لهم أنفسهم من سيء الأعمال وما اجترحوا من الموبقات والشرور والآثام : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [ المطففين : ١٤ ].
المعنى الجملي : بعد أن ذكر إنكارهم لوحدانيته تعالى مع وضوح الأدلة على ذلك، من خلق السماوات بلا عمد وتسخير الشمس والقمر يجريان إلى أجل مسمى ومن مد الأرض وإلقاء الجبال الرواسي فيها إلى آخر ما ذكر من الآيات الدالة على عظيم قدرته وبديع صنعه لمن يتأمل ويتفكر في ذلك الملكوت العظيم ذكر هنا إنكارهم للبعث والنشور على وضوح طريقه وسطوع دليله قياسا على ما يرون ويشاهدون، فإن من قدر على خلق السماوات والأرض وسائر العوالم على هذا النحو الذي يحار الإنسان في الوصول إلى معرفة كنهه لا يعجز عن إعادته في خلق جديد كما قال تعالى : أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى [ الأحقاف : ٣٣ ].
تفسير المراغي
المراغي