قوله تعالى: (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ).
قيل: ذكر وأنثى، واستبعده ابن عرفة وقال: لَا تجده في الأشجار إلا في النخل والزيتون والتين، وأما العنب وغيره فليس فيه ذكر والصحيح أن المراد بالزوجين نوعين.
قال الزمخشري: كالأبيض والأسود، والحلو والحامض، والصغير والكبير فإنها في أصلها كانت زوجين ثم تفرعت فصارت أزواجا.
قوله تعالى: (يُغشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ).
أي يليه مكانه فيصير أسود مظلما كما كان أبيض مشرقا ابن عرفة: والأول فاعل في المعنى وهو على إضمار فعل أي ويغشى النهار الليل، قلت لابن عرفة: ويحتمل أن يراد في الآية الزمان الذي بين الفجر وطلوع الشمس على القول بأنه من النهار، فهو إشارة إلى أن الليل يخالط النهار في ذلك الزمان باعتبار النزع، وفي الآية باعتبار النعمة.
قوله تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ... (٥)
انظر هل هذا أمر تقديري [أو لا؟ فإن*] (إذا) لَا تدخل إلا على المحقق الوقوع، و (إنْ) تدخل على المشكوك فيه، والتعجب من هؤلاء محقق وقوعه؛ لأنهم أنكروا البعث وخالفوا مع علمهم أن الله خلقهم وأوجدهم، ومن أوجد المخلوقات من عدم فهو قادر على إعادتها، قال: وعادتهم يجيبون بأن التعجب إنما يكون مما خفي سببه كلا فلا يتعجب إلا [(مَن*] خفي عليه السبب، والنبي ﷺ عالم بأن ذلك الواقع منهم إرادة الله وقدرته عليهم، فهو فى خاصيته لَا يعجب منهم، فضلا عن أن يكون تعجبه منهم [محققا*] بدليل قوله تعالى: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، وقوله تعالى: (فَعَجَبٌ) قال أبو حيان: إنه [... ] وخبره كونهم (أَئِذَا) الثاني أن محل الفائدة في (عَجَبٌ) لأنه المجهول و (قَوْلُهُم أَئِذَا كُنَا تُرَابًا) هو المعلوم.
قوله تعالى: (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ).
يحتمل أن يريد بالجديد ما يلحقه عدم، ويحتمل أن يريد ما لم يسبق بوجود وهذا هو الأظهر لأجل لغتهم فهم يجعلون الإعادة كأنها خلق آخر لم يسبق بوجود السنة فلذلك فهو هنا ومذهب أهل السنة أن الإعادة ممكنة عقلا واقعة سمعا وهلا تعاد الأجسام متحيزا أو قائما بالمتحيز فالأولى إن كانت متحيزة فهي أجسام وإن لم تكن متحيزة فلا تشغل نفسها ولا بد لها من أجسام تحل منها فلا [... ] إعادة الأجسام خلافا [... ] وغيرهم.
وقوله: (وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ) قال ابن عطية: (وَزَرْعٌ) معطوفة على أعناب، قال أبو حيان والنخيل (صنوان وغير صنوان) يتبع من عطفه على (أَعْنَابٍ)، قال ابن عرفة: وهذا لَا يصح لأنه لَا يجوز أن يقول مررت بزيد وعمرو والعاقل، قال أبو حيان: وإنما يكون [حملا على الجوار*]، ورده ابن عرفة ثلاثة أوجه الأول: أن التبعية على [الجوار*] إنما وردت في الخفض ولم نره في الرفع إلا قليلا، حكى المبرد منها [... ] في شرحه بها، قال في [**ميت منها] أنه رفع [على الجوار]. الثاني: أن الخفض على [الجوار*] لَا يجوز إلا قليلا وهو مع الواو كل [... ] قلت: [... ] ابن رشد في المقدمات قوله (وَأَرْجُلَكُم إِلَى الْكَعْبَيْنِ) وقوله: (شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ) [عطفا على الجوار*].
قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ).
أي كفروا [بالبعث*] الخاصة والعامة، وهذا دليل على أن منكر البعث كافر، ابن عرفة: واشتملت الآية على اللفظ العام والإيهام ثم التفسير لأن قوله: (أُولَئِكَ) لَا يدل في أعناقهم تفسير للعذاب النازل بهم وهذا من باب ذكر السبب عقب سببه لأن الكفر سبب في غل الأعناق فهلا عطف الفاء المقتضية للسبب والتزامه، قال والجواب: أن السبب على ثلاثة أنواع ظاهر وخفي ومتوسط وإنَّمَا يحتاج إلى الفاء في المتوسط والخفي وأما هذا فظاهر كونه سببا فيما بعده فلا يحتاج في عقد إلى ما بين كونه سببا، ابن عرفة: والآية عندي من باب القلب، والأصل فيها أولئك أعناقهم في الأغلال؛ لأن الأغلال محيطة بأعناقهم كإحاطة الظرف بالمظروف، فأعناقهم هي المظروف وقد قالوا إن القلب لا يجوز إلا في العموم، فإِن قيل: في الكلام، قلت له: قد جعلوا منه [مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ*]، قال: وانظر هل هذا إلا على التوزيع أي كل واحد في عنقه أغلال، قلت: إن في سورة الحاقة (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) فدل أنه على التوزيع لكل واحد على آخر فأجابه بأن ذلك في رؤسائهم وقد تقوم مقام سلاسل مقدرة في عنق كل واحد من رؤسائهم حتى لا يظهر منه شيء.
قوله تعالى: (وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
قال ابن مالك: إن الجملتين إن كانتا متقاربتين عطفتا وإن كانت الثانية مفسرة للأولى لِم يحتج إلى حرف العطف، فقولهم: (هُم فِيهَا خَالِدُونَ) تفسير لقوله: (أصْحَابُ النَّارِ) وتأكيد هو في موضع الحال، وقال ابن رشد: في المقدمات في قوله تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ)
قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ... (٥)
ابن عرفة: ذكروا في أن وجهين هل هي ناصبة أم مفسرة، وقال بعض الطلبة أكثر النحويين يمنعون وصل أن بالجملة الغير الخبرية، وذكر ابن العطا في شرح الجزولية: جواز ذلك وأنشد عليه بتاء قال: فالظاهر أنها هنا تفسيرية.
قوله تعالى: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ).
ابن عرفة: التذكير بذلك سبب في إخراجهم من الظلمات إلى النور فلم أخره عنه، وأجاب: بأن التذكير هو الموعظة، قال والدعاء على الإسلام متقدم عليها والموعظة إنما تكون بعد ذلك لأنه يريهم المعجزات ابتداءً فإذا آمنوا وعظهم ليدوموا على إيمانهم ابن عرفة: وهنا سؤال وهو هلا قال أخرج قومك من الظلمات إلى النور بإذن الله كما قال أولا (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) وعادتهم يجيبون: بأن الأول خطاب للنبي ﷺ وشريعته من أسهل الشرائع فناسب فيها ذكر الإذن ليفيد معنى السهولة واللين المأذون فيهما وهذه الآية الثانية خطاب لموسى وقد كانت شريعته صعبة ألا ترى إلى قوله (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُم) قلت له: أو يجاب بأن اخرج فعل أمر فهو بنفسه دليل على الآن فلم يحتج إلى ذكره معه بخلاف قوله ليخرج النَّاس فإِنه جملة خبرية لَا تدل على الإذن فلذلك قيدت به.
قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ).
المراد بهما الآيات النافعة بدليل قوله: (لِكُلِّ صَبَّارِ شَكُورٍ) مع أنه آية للصابر الشاكر لكن إنما هو آية نافعة للصبار والشكور لَا لمن اتصف بمطلق صبر ومطلق شكر، ابن عرفة: وليس المراد من جميع الوصفين بل من اتصف بأحدهما وإنما لم يعطفهما بالواو إشارة إلى التهييج والإلهاب على الإنصاف بهما معا.
قوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ... (٦)
قال: لم أفرد النعمة؟ فأجيب بوجهين: الأول: قلت إما لأنه فسرها بشيء واحد وهو الإنجاء من آل فرعون فهي نعمة واحدة، الثاني قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأنه إنما أفردا لأن الإنسان لَا يستطيع الشكر على كل النعم بل على البعض فقط فأفردها تحقيقا على المكلف في الشكر على النعم وإن كثرت إذ لَا يقدر على القيام بواجب الشكر على جميعها وإن [أفرغ وسعه*]، قال والعامل في (إذ) (نِعْمَةَ) لأنه [مصدر مجرد بالياء] [ظرف للنعمة بمعنى الإنعام*] (١)
ولا يصح أن يعمل فيها إذا ذكروا لأنه مستقبل [وإذ*] ظرف زماني لما مضى وقت الذكر ليس هو وقت الإنجاء.
قوله تعالى: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ).
ابن عرفة: إن قلت عطف (يُذَبِّحُونَ) على (يَسُومُونَكُمْ) مشكل لأن العطف يقتضي المغايرة فإن كان السوم هو الذبح لزم عطف الشيء على نفسه والعطف يقتضي المغايرة كما سبق وإن كان غيره لزم تفسير [الشيء*] بغيره، والجواب: أنه غيره لكنه أعم منه فالسوم هو أوائل العذاب ومقدماته والذبح أخص منه، فإن قلت: هلا قال (وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) كما قال (وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) فالجواب: أن البنات في حال صغرهن لَا مؤنة لهن ولا مشقة وإنَّمَا يلحق أباءهن المؤنة والمشقة إذا كبرن وصرن نساء، فإن قلت: لم عطف الفعل هنا ولم يعطفه في البقرة؟ قال عادتهم يجيبون: بأن [النعمة*] في آية البقرة وقعت من الله تعالى لأنه قال (إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) [فأسند*] الفعل إلى [نفسه*] [ولأن*] كل الأشياء عنده حقيرة؛ فلهذا أتى بالجملة الثانية غير معطوفة لتكون مفسرة للأول [كأنهما] شيء واحد؛ [لأن من يستعظم الأشياء الحقيرة*] لا قدرة له، فالمائة دينار لَا قدر لها عند الغني، وهي عند الفقير مال معتبر، والآية في هذه السورة [والمذكور*] فيها من موسى عليه السلام لأن [أولها*] [وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا*] فهذه صدرت من موسى لقومه فناسب فيها المبالغة في العطف بالواو، والتي تقتضي المغايرة والبيان لكثير أسباب المن، وأجاب صاحب درة التنزيل بأن آية إبراهيم وقعت في خبر عطف خبر آخر قبله وهو قوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) و (إذ قال موسى) فتضمن الأول إخبار عن إرسال موسى بالآيات، والثاني: تنبيهه لقوله على [نعمة*] الله فتقوى معنى العطف في (يُذَبِّحُونَ) لأنه وما عطف عليه [**وأخلى] جملة معطوفة علي غيرها فالمقام مقام الفضل بخلاف آية البقرة فإنه أخبر بخبر واحد، وهو إخباره عن نفسه بإنجائه بني إسرائيل فلذلك عطف (١)، قلت: يريد والجمل المتقدمة في سورة البقرة إنما هي طلبه وهي قوله: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا) والمشاكلة تقتضي أن الإخبار يجري مجرى واحد في الوصل والعقل بخلاف أخبرو الطلب فإنه لَا يعامل أحدهما معاملة الآخر ألا ترى المشهور عند النحويين أنه لَا يجوز عطف الجملة الخبرية على الطلبية ولا العكس حسبما نبه عليه أبو الربيع في شرح الإيضاح هذا الذي تلخص لي من كلام درة التنزيل على طوله.
قوله تعالى: (وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ).
تفسير ابن عرفة
أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي
جلال الأسيوطي