ﭙﭚﭛﭜﭝ

قوله تعالى : وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ .
صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه حفظ السماء من كل شيطان رجيم وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله : وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ [ الصافات : ٧ ] وقوله : وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ الملك : ٥ ] وقوله : فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً وقوله : إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ وقوله : أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ [ الطور : ٣٨ ] إلى غير ذلك من الآيات. والاستثناء في هذه الآية الكريمة في قوله : إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ [ الحجر : ١٨ ]. قال بعض العلماء هو استثناء منقطع وجزم به الفخر الرازي أي لكن من استرق السمع أي الخطفة اليسيرة فإنه يتبعه شهاب فيحرقه كقوله تعالى : وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [ الصافات : ٨-١٠ ] وقيل : الاستثناء متصل أي حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئاً من الوحي وغيره إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها من أن تسمع لخبر من أخبار السماء سوى الوحي، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئاً لقوله تعالى : إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [ الشعراء : ٢١٢ ] قاله القرطبي، ونظيره إِلاَّ مَنْ خَطِفَ [ الصافات : ١٠ ] الآية فإن استثناء من الواو في قوله تعالى : لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ [ الصافات : ٨ ] الآية.
تنبيه
يؤخذ من هذه الآيات التي ذكرنا أن كل ما يتمشدق به أصحاب الأقمار الصناعية من أنهم سيصلون إلى السماء ويبنون على القمر، كله كذب وشقشقة لا طائل تحتها ومن اليقين الذي لا شك فيه أنهم سيقفون عند حدهم ويرجعون خاسئين أذلاء عاجزين ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [ الملك : ٤ ] ووجه دلالة الآيات المذكورة على ذلك أن اللسان العربي الذي نزل به القرآن يطلق اسم الشيطان على كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب ومنه قوله تعالى : وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ [ البقرة : ١٤ ]، وقوله : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِىٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [ الأنعام : ١١٢ ] ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :«الكلب الأسود شيطان » وقول جرير :

أيام يدعونني الشيطان من غزلي وكن يهوينني إذ كنت شيطانا
ولا شك أن أصحاب الأقمار الصناعية يدخلون في اسم الشياطين دخولاً أولياً لعتوهم وتمردهم. وإذا علمت ذلك فاعلم أنه تعالى صرح بحفظ السماء من كل شيطان كائناً من كان في عدد آيات من كتابه كقوله هنا : وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ وقوله : أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ فصلت : ١٢ ] إلى غير ذلك من الآيات.
وصرح بأن من أراد استراق السمع أتبعه شهاب راصد له في مواضع أخر كقوله : فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [ الجن : ٩ ] وقوله : إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ [ الحجر : ١٨ ] وقوله : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [ الصافات : ١٠ ] وقال : إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [ الشعراء : ٢١٢ ] وقال : أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ [ الطور : ٣٨ ] وهو تعجيز دال على عجز البشر عن ذلك عجزاً مطلقاً، وقال : أَمْ لَهُم مٌّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيَنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ في الأسْبَابِ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن الأحَزَابِ [ ص : ١٠-١١ ] فقوله في هذه الآية الكريمة : فَلْيَرْتَقُواْ في الأسْبَابِ ، أي فليصعدوا في أسباب السموات التي توصل إليها. وصيغة الأمر في قوله : فَلْيَرْتَقُواْ للتعجيز وإيرادها للتعجيز دليل على عجز البشر عن ذلك عجزاً مطلقاً. وقوله جل وعلا بعد ذلك التعجيز : جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مّن الأحَزَابِ يفهم منه أنه لو تنطع جند من الأحزاب للارتقاء في أسباب السماء أنه يرجع مهزوماً صاغراً داحراً ذليلاً، ومما يدل على أن الآية الكريمة يشار فيها إلى شيء ما كان يظنه الناس وقت نزولها إبهامه جل وعلا لذلك الجند بلفظة ما في قوله : جند ما وإشارته إلى مكان ذلك الجند أو مكان انهزامه إشارة البعيد في قوله : هُنَالِكَ ولم يتقدم في الآية ما يظهر رجوع الإشارة إليه إلا الارتقاء في أسباب السموات.
فالآية الكريمة يفهم منها ما ذكرنا، ومعلوم أنها لم يفسرها بذلك أحد من العلماء، بل عبارات المفسرين تدور على أن الجند المذكور الكفار الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم، وأنه صلى الله عليه وسلم سوف يهزمهم، وأن ذلك تحقق يوم بدر أو يوم فتح مكة، ولكن كتاب الله لا تزال تظهر غرائبه وعجائبه متجددة على مر الليالي والأيام، ففي كل حين تفهم منه أشياء لم تكن مفهومة من قبل، ويدل لذلك حديث أبي جحيفة الثابت في الصحيح أنه لما سأل علياً رضي الله عنه هل خصهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ؟ قال له علي رضي الله عنه : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلاً في كتاب الله وما في الصحيفة الحديث فقوله رضي الله عنه : إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في كتاب الله يدل على أن فهم كتاب الله تتجدد به العلوم والمعارف التي لم تكن عند عامة الناس، ولا مانع من حمل الآية على ما حملها عليه المفسرون.
وما ذكرنا أيضاً أنه يفهم منها لما تقرر عند العلماء من أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها صحيحة تعين حملها على الجميع كما حققه بأدلته الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله في رسالته في علوم القرآن.
وصرح تعالى بأن القمر في السبع الطباق في قوله : أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [ نوح : ١٥-١٦ ] فعلم من الآيات أن القمر في السبع الطباق، وأن الله حفظها من كل شيطان رجيم، فلم يبق شك ولا لبس في أن الشياطين أصحاب الأقمار الصناعية سيرجعون داحرين صاغرين عاجزين عن الوصول إلى القمر والوصول إلى السماء، ولم يبق لبس في أن السماء التي فيها القمر ليس يراد بها مطلق ما علاك، وإن كان لفظ السماء قد يطلق لغة على كل ما علاك، كسقف البيت، ومنه قوله تعالى : فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ [ الحج : ١٥ ] الآية. وقد قال الشاعر :
وقد يسمى سماء كل مرتفع وإنما الفضل حيث الشمس والقمر
لتصريحه تعالى بأن القمر في السبع الطباق ؛ لأن الضمير في قوله : وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ راجع إلى السبع الطباق وإطلاق المجموع مراداً بعضه كثير في القرآن وفي كلام العرب.
ومن أصرح أدلته : قراءة حمزة والكسائي فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [ البقرة : ١٩١ ] من القتل في الفعلين ؛ لأن من قتل بالبناء للمفعول لا يمكن أن يؤمر بعد موته بأن يقتل قاتله، ولكن المراد : فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر، كما هو ظاهر. وقال أبو حيان في البحر المحيط في تفسير قوله تعالى وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ؛ وصح كون السموات ظرفاً للقمر ؛ لأنه لا يلزم من الظرف أن يملأه المظروف. تقول : زيد في المدينة، وهو في جزء منها.
واعلم أن لفظ الآية صريح في أن نفس القمر في السبع الطباق ؛ لأن لفظة جَعَلَ في الآية هي التي بمعنى صير، وهي تنصب المبتدأ والخبر، والمعبر عنه بالمبتدأ هو المعبر عنه بالخبر بعينه لا شيء آخر، فقولك : جعلت الطين خزفاً، والحديد خاتماً، لا يخفى فيه أن الطين هو الخزف بعينه، والحديد هو الخاتم، وكذلك قوله : وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً فالنور المجعول فيهن هو القمر بعينه، فلا يفهم من الآية بحسب الوضع اللغوي احتمال خروج نفس القمر عن السبع الطباق، وكون المجعول فيها مطلق نوره ؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل : وجعل نور القمر فيهن أما قوله : وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً فهو صريح في أن النور المجعول فيهن هو عين القمر، ولا يجوز صرف القرآن عن معناه المتبادر بلا دليل يجب الرجوع إليه، ويوضح ذلك أنه تعالى صرح في سورة الفرقان بأن القمر في خصوص السماء ذات البروج بقوله : تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً الفرقان : ٦١ ] وصرح في سورة الحجر بأن ذات البروج المنصوص على أن القمر فيها هي بعينها المحفوظة من كل شيطان رجيم بقوله : وَلَقَدْ جَعَلْنَا في السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ [ الحجر : ١٧ ] وما يزعمه بعض الناس من أنه جل وعلا أشار إلى الاتصال بين أهل السماء والأرض في قوله : وَمِنْ ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ [ الشورى : ٢٩ ] يقال فيه : إن المراد جمعهم يوم القيامة في المحشر، كما أطبق عليه المفسرون. ويدل له قوله تعالى : وَمَا مِن دَآبَّةٍ في الأرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا في الكِتَابِ مِن شَيءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [ الأنعام : ٣٨ ].
ويوضح ذلك تسمية يوم القيامة يوم الجمع في قوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [ التغابن : ٩ ] الآية. وكثرة الآيات الدالة على أن جمع جميع الخلائق كائن يوم القيامة، كقوله : إِنَّ في ذالِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذالِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَالِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ [ هود : ١٠٣ ] وقوله : قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ [ الواقعةك٤٩-٥٠ ] وقوله : اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ [ النساء : ٨٧ ] وقوله : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً [ الفرقان : ٢٥ ] وقوله وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [ الفجر : ٢٢ ] وقوله وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [ الكهف : ٤٧ ].
مع أن بعض العلماء قال : المراد ما بث من الدواب في الأرض فقط، فيكون من إطلاق المجموع مراداً بعضه، وهو كثير من القرآن وفي لسان العرب، وبعضهم قال : المراد بدواب السماء الملائك

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - أضواء البيان

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير