فَلَمَّا وُلِدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مُنِعُوا مِنْ ثلاثة سموات، فَلَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم منعوا من السموات كُلِّهَا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِذَا أَرَادَ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ رُمِيَ بِشِهَابٍ. وَقَوْلُهُ: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ لا يمكن حمل لفظة (إلا) هاهنا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، بِدَلِيلِ أَنَّ إِقْدَامَهُمْ عَلَى اسْتِرَاقِ السَّمْعِ لَا يُخْرِجُ السَّمَاءَ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحْفُوظَةً مِنْهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ دُخُولِهَا، وَإِنَّمَا يُحَاوِلُونَ الْقُرْبَ مِنْهَا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً عَلَى التَّحْقِيقِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: لَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: مَوْضِعُ (مَنِ) نَصْبٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ. قَالَ: وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ، وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا مِمَّنْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي قَوْلِهِ: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ يُرِيدُ الْخَطْفَةَ الْيَسِيرَةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَارِدَ مِنَ الشَّيَاطِينِ يَعْلُو فَيُرْمَى بِالشِّهَابِ فَيَحْرِقُهُ وَلَا يَقْتُلُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحِيلُهُ فَيَصِيرُ غُولًا يُضِلُّ النَّاسَ فِي الْبَرَارِي. وَقَوْلُهُ: فَأَتْبَعَهُ ذَكَرْنَا مَعْنَاهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي قصة بلعم بن باعورا فِي قَوْلِهِ: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ [الْأَعْرَافِ: ١٧٥] مَعْنَاهُ لَحِقَهُ، والشهاب شعلة نار ساطع، ثم يسمى الكواكب شِهَابًا، وَالسِّنَانُ شِهَابًا لِأَجْلِ أَنَّهُمَا لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْبَرِيقِ يُشْبِهَانِ النَّارَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَبْحَاثًا دَقِيقَةً ذَكَرْنَاهَا فِي سُورَةِ الملك وفي سورة الجن، ونذكر منها هاهنا إِشْكَالًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِذَا جَوَّزْتُمْ فِي الْجُمْلَةِ أَنْ يَصْعَدَ الشَّيْطَانُ إلى السموات وَيَخْتَلِطَ بِالْمَلَائِكَةِ وَيَسْمَعَ أَخْبَارَ الْغُيُوبِ عَنْهُمْ، ثُمَّ إِنَّهَا تَنْزِلُ وَتُلْقِي تِلْكَ الْغُيُوبَ عَلَى الْكَهَنَةِ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ وَجَبَ أَنْ يَخْرُجَ الْإِخْبَارُ عَنِ الْمُغَيَّبَاتِ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا لِأَنَّ كُلَّ غَيْبٍ يُخْبِرُ عَنْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِيهِ هَذَا الِاحْتِمَالُ وَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا دَلِيلًا عَلَى الصِّدْقِ، لَا يُقَالُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُمْ عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا الْعَجْزُ لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ إِلَّا بَعْدَ الْقَطْعِ بِكَوْنِ مُحَمَّدٍ رَسُولًا وَكَوْنِ الْقُرْآنِ حَقًّا، وَالْقَطْعُ بِهَذَا لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ الْمُعْجِزِ، وَكَوْنُ الْإِخْبَارِ عَنِ الْغَيْبِ مُعْجِزًا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بَعْدَ إِبْطَالِ هَذَا الِاحْتِمَالِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الدَّوْرُ وَهُوَ بَاطِلٌ مُحَالٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّا نُثْبِتُ كَوْنُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ/ رَسُولًا بِسَائِرِ الْمُعْجِزَاتِ، ثُمَّ بَعْدَ الْعِلْمِ بِنُبُوَّتِهِ نَقْطَعُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْجَزَ الشَّيَاطِينَ عَنْ تَلَقُّفِ الْغَيْبِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ الْإِخْبَارُ عن الغيوب معجز، وبهذا الطريق يندفع الدور. والله أعلم.
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠)
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا شَرَحَ الدَّلَائِلَ السَّمَاوِيَّةَ فِي تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ أَتْبَعَهَا بِذِكْرِ الدَّلَائِلِ الْأَرْضِيَّةِ، وَهِيَ أَنْوَاعٌ:
النوع الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَسَطْنَاهَا عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ آخَرُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَرْضَ جِسْمٌ، وَالْجِسْمُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مُمْتَدًّا فِي الْجِهَاتِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ الطُّولُ وَالْعَرْضُ وَالثُّخْنُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَتَمَدُّدُ جِسْمِ الْأَرْضِ فِي هَذِهِ الْجِهَاتِ الثَّلَاثَةِ مُخْتَصٌّ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ جِسْمٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَنَاهِيًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ تَمَدُّدُ جِسْمِ الْأَرْضِ مُخْتَصًّا بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ مَعَ أَنَّ الِازْدِيَادَ عَلَيْهِ مَعْقُولٌ، وَالِانْتِقَاصَ عَنْهُ أَيْضًا مَعْقُولٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ التَّمَدُّدِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ الْمُقَدَّرِ مَعَ جَوَازِ حُصُولِ الْأَزْيَدِ وَالْأَنْقَصِ اخْتِصَاصًا بِأَمْرٍ جَائِزٍ وَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وَتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُهُ: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها عَلَى أَنَّهَا بَسِيطَةٌ؟
قُلْنَا: نَعَمْ لِأَنَّ الْأَرْضَ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهَا كُرَةً، فَهِيَ كُرَةٌ فِي غَايَةِ الْعَظَمَةِ، وَالْكُرَةُ الْعَظِيمَةُ يَكُونُ كُلُّ قِطْعَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْهَا، إِذَا نُظِرَ إِلَيْهَا فَإِنَّهَا تُرَى كَالسَّطْحِ الْمُسْتَوِي، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ زَالَ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْإِشْكَالِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْجِبالَ أَوْتاداً [النَّبَأِ: ٧] سَمَّاهَا أَوْتَادًا مَعَ أَنَّهُ قَدْ يحصل عليها سطوح عظيمة مستوية، فكذا هاهنا.
النوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَهِيَ الْجِبَالُ الثَّوَابِتُ، وَاحِدُهَا رَاسِي، وَالْجَمْعُ رَاسِيَةٌ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ رَوَاسِي، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَلْقى / فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النَّحْلِ: ١٥] وَفِي تَفْسِيرِهِ وَجْهَانِ:
الوجه الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا بَسَطَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَرْضَ عَلَى الْمَاءِ مَالَتْ بِأَهْلِهَا كَالسَّفِينَةِ فَأَرْسَاهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْجِبَالِ الثِّقَالِ لِكَيْلَا تَمِيلَ بِأَهْلِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: أَتَقُولُونَ إِنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْأَرْضَ بِدُونِ الْجِبَالِ فَمَالَتْ بِأَهْلِهَا فَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ تَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالْجِبَالَ مَعًا.
قُلْنَا: كِلَا الْوَجْهَيْنِ مُحْتَمَلٌ.
وَالوجه الثَّانِي: فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَهَا لِتَكُونَ دَلَالَةً لِلنَّاسِ عَلَى طُرُقِ الْأَرْضِ وَنَوَاحِيهَا لِأَنَّهَا كَالْأَعْلَامِ فَلَا تَمِيلُ النَّاسُ عَنِ الْجَادَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ وَلَا يَقَعُونَ فِي الضَّلَالِ وَهَذَا الوجه ظَاهِرُ الِاحْتِمَالِ.
النوع الثَّالِثُ: مِنَ الدَّلَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وَفِيهِ بَحْثَانِ:
البحث الْأَوَّلُ: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: وَأَنْبَتْنا فِيها يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى الْأَرْضِ وَأَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى الْجِبَالِ الرَّوَاسِي، إِلَّا أَنَّ رُجُوعَهُ إِلَى الْأَرْضِ أَوْلَى لِأَنَّ أَنْوَاعَ النَّبَاتِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا إِنَّمَا تَتَوَلَّدُ فِي الْأَرَاضِي، فَأَمَّا الْفَوَاكِهُ الْجَبَلِيَّةُ فَقَلِيلَةُ النَّفْعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: رُجُوعُ ذَلِكَ الضَّمِيرِ إِلَى الْجِبَالِ أَوْلَى، لِأَنَّ الْمَعَادِنَ إِنَّمَا تَتَوَلَّدُ فِي الْجِبَالِ، وَالْأَشْيَاءُ الْمَوْزُونَةُ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ هِيَ الْمَعَادِنُ لَا النَّبَاتُ.
البحث الثَّانِي: اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالْمَوْزُونِ وَفِيهِ وُجُوهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُتَقَدِّرٌ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا الوجه أَقْرَبُ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْمِقْدَارَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ وَيَنْتَفِعُونَ بِهِ فَيُنْبِتُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ، وَلِذَلِكَ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ:
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ لِأَنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ الَّذِي يَظْهَرُ بِالنَّبَاتِ يَكُونُ مَعِيشَةً لَهُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: بِحَسَبِ الْأَكْلِ وَالِانْتِفَاعِ بِعَيْنِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَنْتَفِعَ بِالتِّجَارَةِ فِيهِ، وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ قَالُوا: الْوَزْنُ إِنَّمَا يُرَادُ لِمَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ فَكَانَ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْوَزْنِ لِإِرَادَةِ مَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ قَالُوا: وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [الرَّعْدِ: ٨] وَقَوْلُهُ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما
نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
[الْحِجْرِ: ٢١].
وَالوجه الثَّانِي: فِي تَفْسِيرِ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ عَالَمُ الْأَسْبَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَخْلُقُ الْمَعَادِنَ وَالنَّبَاتَ وَالْحَيَوَانَ بِوَاسِطَةِ تَرْكِيبِ طَبَائِعِ هَذَا الْعَالَمِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَحْصُلَ مِنَ الْأَرْضِ قَدْرٌ مَخْصُوصٌ/ وَمِنَ الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ كَذَلِكَ، وَمِنْ تَأْثِيرِ الشَّمْسِ وَالْكَوَاكِبِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ مِقْدَارٌ مَخْصُوصٌ، وَلَوْ قَدَّرْنَا حُصُولَ الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ الْمَخْصُوصِ، أَوِ النُّقْصَانِ عَنْهُ لَمْ تَتَوَلَّدِ الْمَعَادِنُ وَالنَّبَاتُ وَالْحَيَوَانُ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدَّرَهَا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ بِقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى وَزَنَهَا بِمِيزَانِ الْحِكْمَةِ حَتَّى حَصَلَتْ هَذِهِ الْأَنْوَاعُ.
وَالوجه الثَّالِثُ: فِي تَفْسِيرِ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَقُولُونَ: فُلَانٌ مَوْزُونُ الْحَرَكَاتِ أَيْ حركات مُتَنَاسِبَةٌ حَسَنَةٌ مُطَابِقَةٌ لِلْحِكْمَةِ، وَهَذَا الْكَلَامُ كَلَامٌ مَوْزُونٌ إِذَا كَانَ مُتَنَاسِبًا حَسَنًا بَعِيدًا عَنِ اللَّغْوِ وَالسُّخْفِ فَكَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّهُ مَوْزُونٌ بميزان الحكمة والعقل، وبالجملة فَقَدْ جَعَلُوا لَفْظَ الْمَوْزُونِ كِنَايَةً عَنِ الْحُسْنِ وَالتَّنَاسُبِ، فَقَوْلُهُ:
وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ أَيْ مُتَنَاسِبٍ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ بِالْحُسْنِ وَاللَّطَافَةِ وَمُطَابَقَةِ الْمَصْلَحَةِ.
وَالوجه الرَّابِعُ: فِي تَفْسِيرِ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَنْبُتُ مِنَ الْأَرْضِ نَوْعَانِ: الْمَعَادِنُ وَالنَّبَاتُ: أَمَّا الْمَعَادِنُ فَهِيَ بِأَسْرِهَا مَوْزُونَةٌ وَهِيَ الْأَجْسَادُ السَّبْعَةُ وَالْأَحْجَارُ وَالْأَمْلَاحُ وَالزَّاجَّاتُ وَغَيْرُهَا. وَأَمَّا النَّبَاتُ فَيَرْجِعُ عَاقِبَتُهَا إِلَى الْوَزْنِ، لِأَنَّ الْحُبُوبَ تُوزَنُ، وَكَذَلِكَ الْفَوَاكِهُ فِي الْأَكْثَرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
المسألة الْأُولَى: ذَكَرْنَا الْكَلَامَ فِي الْمَعَايِشِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَقَوْلُهُ: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيهِ قَوْلَانِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَلِّ لَكُمْ، وَالتَّقْدِيرُ: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مُعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: مَعايِشَ وَالتَّقْدِيرُ: وَجَعَلْنَا لَكُمْ مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَفِيهِ احْتِمَالَاتٌ ثَلَاثَةٌ:
الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّ كَلِمَةَ «مَنْ» مُخْتَصَّةٌ بِالْعُقَلَاءِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ الْعُقَلَاءَ وَهُمُ الْعِيَالُ وَالْمَمَالِيكُ وَالْخَدَمُ وَالْعَبِيدُ، وَتَقْرِيرُ الْكَلَامِ أَنَّ النَّاسَ يَظُنُّونَ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ أَنَّهُمُ الَّذِينَ يَرْزُقُونَ الْعِيَالَ وَالْخَدَمَ وَالْعَبِيدَ، وَذَلِكَ خَطَأٌ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ يَرْزُقُ الْخَادِمَ وَالْمَخْدُومَ، وَالْمَمْلُوكَ وَالْمَالِكَ فَإِنَّهُ لَوْلَا أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْأَطْعِمَةَ وَالْأَشْرِبَةَ، وَأَعْطَى الْقُوَّةَ الْغَاذِيَةَ وَالْهَاضِمَةَ، وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلْ لِأَحَدٍ رِزْقٌ.
وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ قَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ الْوَحْشُ وَالطَّيْرُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا التَّأْوِيلُ مَعَ أَنَّ صِيغَةَ مَنْ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ يَعْقِلُ؟
قُلْنَا: الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ صِيغَةَ مَنْ قَدْ وَرَدَتْ فِي غَيْرِ الْعُقَلَاءِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ/ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [النُّورِ: ٤٥]. وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَ لِجَمِيعِ الدَّوَابِّ رِزْقًا عَلَى اللَّهِ حَيْثُ قَالَ: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي