الآية ١٩ : وقوله تعالى : والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وقال في آية أخرى : وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ( الأنبياء : ٣١ ) يعني الجبال. فظاهر هذا أن الأرض كأنها مضطربة، وتنكفئ بأهلها، فأثبتها بالجبال، والأرض، طبعها التسفل والانحدار، فكيف كان ثباتها بشيء، طبعه التسفل والتسرب إلا أن يقال : إن طبعها، كان الاضطراب والانكفاء، فأثبتها بالجبال عن الاضطراب والانكفاء ؟ أو أن يقال : من طبعها ما ذكرنا : التسفل والانحدار، إلا أن الله بلطفه أثبت ما هو طبعه التسفل كذلك. ليعلم لطف الله وقدرته، وقد ذكرنا هذا في ما تقدم.
وقوله تعالى : وأنبتنا فيها من كل شيء موزون قال بعضهم : فيها يعني في الجبال من كل شيء موزون أي ما يوزن من نحو الذهب والفضة والحديد والرصاص ونحوه مما يستخرج منها. وهذا كأنه ليس بصحيح، لأنه لا يقال في الذهب والفضة والحديد : إنه أنبت في الأرض كما يقال كذلك للنبات وما ينبت فيها، وإنما يقال للذهب والفضة والحديد : جعلنا فيها، أو خلقنا فيها.
وقال بعضهم : وأنبتنا فيها يعني في الأرض من كل شيء موزون من كل ألوان ( البنات )١ موزون أي معلوم مقدر بقدر كقوله وما ننزله إلا بقدر معلوم ( الحجر : ٢١ ) ويحتمل وأنبتنا فيها وما يصير موزونا في الآخرة من الزروع وغيرها والحبوب أو ما ذكرنا : أي، والله أعلم، ليس على الجزاف على ما يكون من فعل جاهل على غير تدبير ولا تقدير.
ويحتمل قوله : من كل شيء موزون ما لو اجتمع الخلائق لم يعرفوا قدر ما يزداد، وينمو من النبات في لحظة واحدة وطرفة عين في أول ما يخرج، ويبدو من الأرض، وذلك موزون عنده معلوم قدره ليعلم لطفه ( وقدرته وتدبيره وعلمه وأنه تدبير )٢ واحد حين٣ لم يختلف ذلك، ولم يتفاوت، والله أعلم.
٢ من م، في الأصل: وتدبيره..
٣ في الأصل وم: حيث..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم