والمستقدم هو من تقدم بالحياة والموت ؛ وهم من قبلنا من بشر وأمم. والمستأخر هو من سيأتي من بعدنا. وسبحانه يعلمنا بحكم أنه علم من قبل كل مستأخر ؛ أي : أنه علم بنا من قبل أن نوجد ؛ ويعلم بنا من بعد أن نرحل ؛ فعلمه كامل وأزلي ؛ وفائدة هذا العلم أنه سيترتب عليه الجزاء ؛ فنحن حين أخذنا الحياة والرزق لم نفلت بهما بعيداً ؛ بل نجد الله قد علم أزلاً بما فعل كل منا.
وهناك من يقول إن هناك معنى آخر ؛ بأن الحق سبحانه يكتب من يسرع إلى الصلاة ويتقدم إليها فور أن يسمع النداء لها، ويعلم من يتأخر عن القيام بأداء الصلاة، ذلك أن تأثير كلمة " الله اكبر " فيها من اليقظة والانتباه ما يذكرنا بأن الله اكبر من كل ما يشغلك.
ونعلم أن من إعجازات الأذان أنه جعل النداء باسم " الله اكبر " ؛ ولم يقل : الله كبير ؛ وذلك احتراماً لما يشغلنا في الدنيا من موضوعات قد نراها كبيرة ؛ ذلك أن الدنيا لا يجب أن تهان ؛ لأنها المعبر إلى الجزاء القادم في الآخرة.
ولذلك أقول دائماً : إن الدنيا أهم من أن تنسى ؛ وفي نفس الوقت هي أتفه من أن تكون غاية، فأنت في الدنيا تضرب في الأرض وتسعى لقوتك وقوت من تعول ؛ وليعينك هذا القوت على العبادة.
لذلك فلا يحتقر أحد الدنيا ؛ بل ليشكر الله ويدعوه أن يوفقه فيها، وأن يبذل كل جهد في سبيل نجاحه في عمله ؛ فالعمل الطيب ينال عليه العبد حسن الجزاء ؛ وفور أن يسمع المؤمن " الله اكبر " ؛ فعليه أن يتجه إلى من هو اكبر فعلاً، وهو الحق سبحانه، وأن يؤدي الصلاة. هذا هو المعنى المستقي من المستقدم للصلاة والمستأخر عنها.
وهناك من العلماء من رأى ملاحظ شتى في الآية الكريمة فمعناها قد يكون عاماً يشمل الزمن كله ؛ وقد تكون بمعنى خاص كمعنى المستقدم للصلاة والمستأخر عنها.
وقد يكون المعنى أشد خصوصية من ذلك ؛ فنحن حين نصلي نقف صفوفاً، ويقف الرجال أولاً ؛ ثم الأطفال ؛ ثم النساء ؛ ومن الرجال من يتقدم الصفوف كيلا تقع عيونه على امرأة ؛ ومنهم من قد يتحايل ويقف في الصفوف الأخيرة ليرى النساء ؛ فأوضح الحق سبحانه أن مثل هذه الأمور لا تفوت عليه، فهو العالم بالأسرار وأخفى منها.
أو : أن يكون المعنى هو المستقدمين إلى الجهاد في سبيل الله أو المتأخرين عن الجهاد في سبيله. ومن يموت حتف أنفه أي : على فراشه لا دخل له بهذه المسألة.
أما إن دعا داعي الجهاد، ويقدم نفسه للحرب ويقاتل وينال الشهادة، فالحق سبحانه وتعالى يعلم من تقدم إلى لقائه محبة وجهاداً لرفعة شأن الدين.
وقد يكون في ظاهر الأمر وفي عيون غيره ممن يكرهون الحياة ؛ ولكنه في حقيقة الأمر محب للحياة بأكثر ممن يدعون حبها ؛ لأنه امتلك اليقين الإيماني بأن خالق الدنيا يستحق أن ينال الجهاد في سبيل القيم التي أرادها منهاجاً ينعدل به ميزان الكون ؛ وإن استشهد فقد وعده سبحانه الخلد في الجنة ونعيمها.
ونجد أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهو يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادع لي يا رسول الله أن استشهد ؛ فيرد عليه النبي الكريم : " متعنا بنفسك يا أبا بكر ".
وعلى ذلك لا يكون المستأخر هنا محل لوم ؛ لأن الإيمان يحتاج لمن يصونه ويثبته ؛ كما يحتاج إلى من يؤكد أن الإيمان بالله أعز من الحياة نفسها ؛ وهو المتقدم للقتال، وينال الشهادة في سبيل الله.
تفسير الشعراوي
الشعراوي