ثم قال : ربِّ بما أغويتني أي : بسبب إغوائك لي، لأُزَيِّنَنَّ لهم في الأرض ، وقيل : الباء للقسم، أي : بقدرتك على إغوائي، لأزينن لهم المعاصي والكفر في الدنيا، التي هي دار الغرور. قال ابن عطية : قوله : رَبِّ : مع كفره، يُخرج على أنه يقر بالربوبية والخلق، وهذا لا يدفع في صدر كفره. وقال، على قوله : لم أكن لأسجد : ليس هذا موضع كفره عند الحذاق ؛ لأن إبايته إنما هي معصية فقط، أي : وإنما كفره لاعتراضه لأمر الحق واستكباره. وأما قوله وتعليله فإنما يقتضي أن آدم مفضول، وقد أمره أن يسجد لمن هو أفضل منه، فرأى أن ذلك جور، فقاس وأخطأ، وجهل أن الفضائل إنما هي حيث جعلها الله تعالى المالك للجميع. ه. مختصراً. وقال المازري : أما كفر إبليس فمقطوع به ؛ لقوله : وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [ البقرة : ٣٤ ] ثم قال : ويؤكده قوله : ربِّ بما أغويتني ، وقوله : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ. . . الآية [ ص : ٨٥ ]، وغير ذلك من ظواهر ما يدل على كفره.
وأما : هَلْ حدث هذا الكفر بعد إيمان سابق، أو لم يزل كافراً منذ كان ؟ فهذا لا يحصله إلا نص قرآن، أو خبر متواتر، أو إجماع أمة، وهي المحصلة للعلم، وهذه الثلاثة مفقودة هنا. ه. قلت : والظاهر أن كفره لم يظهر إلا بعد الأمر بالسجود لآدم، وإنما سبق به العلم القديم، وكان قد أظهر الإيمان والعبادة والله تعالى أعلم.
وقوله : ولأغوينّهم أجمعين ؛ أي : لأحملنهم على الغواية أجمعين.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي