ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹ

قُلُوبِهِمْ طَلَبَ الزِّيَادَاتِ كَمَا قَالَ: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الحجر: ٤٧] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أما قوله تَعَالَى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: الْمَعْنَى: دَعِ الْكُفَّارَ يَأْخُذُوا حُظُوظَهُمْ مِنْ دُنْيَاهُمْ فَتِلْكَ أَخْلَاقُهُمْ وَلَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَقَوْلُهُ: وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ يُقَالُ: لَهِيتُ عَنِ الشَّيْءِ أَلْهَى لُهِيًّا، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ ابْنَ/ الزُّبَيْرِ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ لَهِيَ عَنْ حَدِيثِهِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْأَصْمَعِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ تَرَكْتَهُ فَقَدْ لَهِيتَ عَنْهُ وَأَنْشَدَ:

صَرَمَتْ حِبَالَكَ فَالْهَ عَنْهَا زَيْنَبُ وَلَقَدْ أَطَلْتَ عِتَابَهَا لَوْ تَعْتِبُ
فَقَوْلُهُ فَالْهَ عَنْهَا أَيِ اتْرُكْهَا وَأَعْرِضْ عَنْهَا. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: شَغَلَهُمُ الْأَمَلُ عِنْدَ الْأَخْذِ بِحَظِّهِمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ يَصُدُّ عَنِ الْإِيمَانِ وَيَفْعَلُ بِالْمُكَلَّفِ مَا يَكُونُ لَهُ مَفْسَدَةً فِي الدِّينِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِرَسُولِهِ: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَحَكَمَ بِأَنَّ إِقْبَالَهُمْ عَلَى التَّمَتُّعِ وَاسْتِغْرَاقَهُمْ فِي طُولِ الْأَمَلِ يُلْهِيهِمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَذِنَ لَهُمْ فِيهَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ. قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لَيْسَ هَذَا إِذْنًا وَتَجْوِيزًا بَلْ هَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ.
قُلْنَا ظَاهِرُ قَوْلِهِ: ذَرْهُمْ إِذَنْ أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ تَعَالَى نَبَّهَ عَلَى أَنَّ إِقْبَالَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْأَعْمَالِ يَضُرُّهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَهَذَا عَيْنُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى أَذِنَ فِي شَيْءٍ مَعَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مَفْسَدَةً لَهُمْ فِي الدِّينِ.
المسألة الثَّالِثَةُ: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ إِيثَارَ التَّلَذُّذِ وَالتَّنَعُّمِ وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ طُولُ الْأَمَلِ لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ التَّمَرُّغُ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَخْلَاقِ الْهَالِكِينَ، وَالْأَخْبَارُ فِي ذَمِّ الْأَمَلِ كَثِيرَةٌ فَمِنْهَا مَا
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ فِيهِ اثْنَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ وَطُولُ الْأَمَلِ»
وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَقَطَ ثلاث وَقَالَ: «هَذَا ابْنُ آدَمَ، وَهَذَا الْأَمَلُ، وَهَذَا الْأَجَلُ، وَدُونَ الْأَمَلِ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ مَنِيَّةً فَإِنْ أَخَذَتْهُ إِحْدَاهُنَّ، وَإِلَّا فَالْهَرَمُ مِنْ وَرَائِهِ»
وَعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ اثْنَيْنِ: طُولُ الْأَمَلِ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى، فَإِنَّ طُولَ الْأَمَلِ يُنْسِي الْآخِرَةَ، وَاتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ عن الحق.
والله أعلم.
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤ الى ٥]
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ] وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا تَوَعَّدَ مِنْ قَبْلُ مَنْ كَذَّبَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أَتْبَعَهُ بِمَا يُؤَكِّدُ الزَّجْرَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ فِي الْهَلَاكِ وَالْعَذَابِ وَإِنَّمَا يَقَعُ فِيهِ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فَالَّذِينَ تَقَدَّمُوا كَانَ وَقْتُ هَلَاكِهِمْ فِي الْكِتَابِ مُعَجَّلًا، وَالَّذِينَ تَأَخَّرُوا كَانَ وَقْتُ هَلَاكِهِمْ فِي الْكِتَابِ مُؤَخَّرًا وَذَلِكَ نِهَايَةٌ فِي الزَّجْرِ والتحذير.

صفحة رقم 119

المسألة الثَّانِيَةُ: قَالَ قَوْمٌ الْمُرَادُ بِهَذَا الْهَلَاكِ عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ يُنْزِلُهُ بِالْمُكَذِّبِينَ الْمُعَانِدِينَ كَمَا بَيَّنَهُ فِي قَوْمِ نُوحٍ وَقَوْمِ هُودٍ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْهَلَاكِ الْمَوْتُ. قَالَ الْقَاضِي: وَالْأَقْرَبُ مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهُ فِي الزَّجْرِ أَبْلَغُ، فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الْإِمْهَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَغْتَرَّ بِهِ الْعَاقِلُ لِأَنَّ الْعَذَابَ مُدَّخَرٌ، فَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ وَقْتًا مُعَيَّنًا فِي نُزُولِ الْعَذَابِ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ وَقَالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْهَلَاكِ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ نُزُولُ عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ وَنُزُولُ الْمَوْتِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُشَارِكُ الْآخَرَ فِي كَوْنِهِ هَلَاكًا، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْقِسْمَانِ مَعًا.
المسألة الثَّالِثَةُ: قَالَ الْفَرَّاءُ: لَوْ لَمْ تَكُنِ الْوَاوُ مَذْكُورَةً فِي قَوْلِهِ: وَلَها كِتابٌ كَانَ صَوَابًا كَمَا فِي آيَةٍ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ [الشُّعَرَاءِ: ٢٠٨] وَهُوَ كَمَا تَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا إِلَّا وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إِلَّا عَلَيْهِ ثِيَابٌ.
أَمَّا قَوْلُهُ: مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: قَالَ الْوَاحِدِيُّ: مِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنْ أُمَّةٍ زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ كَقَوْلِكَ: مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ لِأَنَّهَا تُفِيدُ التَّبْعِيضَ أَيْ هَذَا الحكم لَمْ يَحْصُلْ فِي بَعْضٍ مِنْ أَبْعَاضِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي إِفَادَةِ عُمُومِ النَّفْيِ آكَدَ.
المسألة الثَّانِيَةُ: قَالَ صَاحِبُ «النَّظْمِ» مَعْنَى سَبَقَ إِذَا كَانَ وَاقِعًا عَلَى شَخْصٍ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ جَازَ وَخَلَفَ كَقَوْلِكَ سَبَقَ زَيْدٌ عَمْرًا، أَيْ جَازَهُ وَخَلَفَهُ وَرَاءَهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ قَصَرَ عَنْهُ وَمَا بَلَغَهُ، وَإِذَا كَانَ وَاقِعًا عَلَى زَمَانٍ كَانَ بِالْعَكْسِ فِي ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: سَبَقَ فُلَانٌ عَامَ كَذَا مَعْنَاهُ مَضَى قَبْلَ إِتْيَانِهِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ فَقَوْلُهُ: مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ الْأَجَلُ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَا بَعْدَهُ، بَلْ إِنَّمَا يَحْصُلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِعَيْنِهِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ اخْتِصَاصَ كُلِّ حَادِثٍ بِوَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ دُونَ الْوَقْتِ الَّذِي قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّفَاقِ الْوَاقِعِ، لَا عَنْ مُرَجِّحٍ وَلَا عَنْ مُخَصِّصٍ فَإِنَّ/ رُجْحَانُ أَحَدِ طَرَفَيِ الْمُمْكِنِ عَلَى الْآخَرِ لَا لِمُرَجِّحٍ مُحَالٌ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّ حُدُوثُهُ بِذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لِأَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِ خَصَّصَهُ بِهِ بِعَيْنِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَقُدْرَةُ الْإِلَهِ وَإِرَادَتُهُ اقْتَضَتَا ذَلِكَ التَّخْصِيصَ، وَعِلْمُهُ وَحِكْمَتُهُ تَعَلَّقَا بِذَلِكَ الِاخْتِصَاصِ بِعَيْنِهِ، وَلَمَّا كَانَ تَغَيُّرُ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَعْنِي الْقُدْرَةَ وَالْإِرَادَةَ وَالْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ مُمْتَنِعًا كَانَ تَغَيُّرُ ذَلِكَ الِاخْتِصَاصِ مُمْتَنِعًا.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: هَذَا الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ قَائِمٌ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ أَعْنِي أَنَّ الصَّادِرَ مِنْ زَيْدٍ هُوَ الْإِيمَانُ وَالطَّاعَةُ وَمِنْ عَمْرٍو هُوَ الْكُفْرُ وَالْمَعْصِيَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَمْتَنِعَ دُخُولُ التَّغَيُّرِ فِيهِمَا.
فَإِنْ قَالُوا: هَذَا إِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ الْمُقْتَضِي لِحُدُوثِ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو هُوَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتَهُ. أَمَّا إِذَا قُلْنَا: الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ هُوَ قُدْرَةُ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَمَشِيئَتُهُمَا سَقَطَ ذَلِكَ.
قُلْنَا: قُدْرَةُ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَمَشِيئَتُهُمَا إِنْ كَانَتَا مُوجِبَتَيْنِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ فَخَالِقُ تِلْكَ الْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ الْمُوجِبَتَيْنِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ هُوَ الَّذِي قَدَّرَ ذَلِكَ الْفِعْلَ بِعَيْنِهِ فَيَعُودُ الْإِلْزَامُ، وَإِنْ لَمْ تَكُونَا مُوجِبَتَيْنِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ بَلْ كَانَتَا صَالِحَتَيْنِ لَهُ وَلِضِدِّهِ، كَانَ رُجْحَانُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ لِمُرَجِّحٍ، فَقَدْ عَادَ الْأَمْرُ إِلَى أَنَّهُ حَصَلَ ذَلِكَ الِاخْتِصَاصُ لَا لِمُخَصِّصٍ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ لِمُخَصِّصٍ فَذَلِكَ الْمُخَصِّصُ إِنْ كَانَ هُوَ الْعَبْدَ عَادَ البحث

صفحة رقم 120

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية