ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹ

وقوله: (كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) الذين فعلوا به ما فعلوا ممن تقدم ذكرهم؛ فيكون قوله: (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ) على إضمار (كان)؛ أي: الذين كانوا يجعلون مع اللَّه إلهًا آخر.
وإن كان في الذين يكونون من بعد - فهو على ظاهر ما ذكر؛ يجعلون على المستقبل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).
أي: سوف يعلمون ما عملوا من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء برسول الله وأصحابه، إذا نزل العذاب بهم. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)
وما قالوا؛ من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء به، وأنواع الأذى الذي كان منهم برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ أي: نعلم ذلك، وهو محفوظ عندنا، نجزيهم على ذلك فلا يضيقن صدرك؛ لذلك فهو على التصبير على الأذى، والتسلي عن ذلك، وترك المكافأة لهم، واللَّه أعلم. وكان يضيق صدره؛ مرة لتركهم الإجابة له، ومرة للأذى باللسان.
والثاني: على علم منا بما يكون منهم، ومن ضيق صدرك بذلك، لكن أنشأناهم ومكناهم على علم منا بذلك؛ امتحانًا منا إياك بذلك وإياهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)
قال بعض أهل التأويل: أي: صل بأمر ربك وكن من الساجدين؛ أي: من المصلين.
وقوله: (فَسَبِّحْ): هو أمر؛ فإذا فعل ذلك كان بأمر ربه؛ فلا معنى لذكر الأمر من بعد قوله: (بِحَمْدِ رَبِّكَ) إن كان الحمد هو الأمر؛ على ما قال بعض أهل التأويل.
ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن قوله: (فَسَبِّحْ) أي: نزه اللَّه عن جميع ما قالت الملحدة فيه؛ إذ التسبيح هو التنزيه في اللغة (بِحَمْدِ رَبِّكَ)؛ أي: بثناء ربك؛ أي: نزهه عن ذلك كله بثناء تثنيه عليه، وكن من الساجدين؛ أي: من الخاضعين؛ إذ السجود هو الخضوع.
أو أن يكون أمره إياه بالتسبيح على التسلي، وتوسيع صدره بالذي يكون منهم؛ أي: فسبح ربك مكان ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ... (٩٩)
يحتمل التوحيد؛ أي: وحِّد ربك، وكذلك قال ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كل عبادة ذكرت في القرآن - فهو توحيد يأمره باعتقاد الإخلاص له في كل أمر، ويحتمل العبادة

صفحة رقم 469

نفسها؛ يأمره بالعبادة له؛ شكراً له؛ على ما روي في الخبر عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنه صلى حتى تورمت ساقاه؛ فقيل له: ألم يغفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: " بلى، أفلا أكون عبدًا شكورًا؟! ".
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ): أي: ما تيقنت به؛ وهو الموقن به.
وكذلك قوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ)، أي: من يكفر بالمؤمن به فقد حبط عمله؛ لأن الإيمان لا يكفر به، فعلى ذلك اليقين لا يأتيه؛ ولكن يأتيه الموقن به. وكذلك ما ذكر: الصلاة أمر اللَّه؛ أي: بأمر اللَّه، وهو المأمور به؛ لأن الصلاة لا تكون أمر اللَّه، لكن بأمر اللَّه، وكذلك ما يجيء من هذا النحو.
ويحتمل قوله: (حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) فيهم؛ وهو ما وعد من العذاب فيهم؛ أي: يتيقنون بذلك واللَّه أعلم.
* * *

صفحة رقم 470

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية