قوله تعالى : هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ .
تقدم الكلام على ما يوضح معنى هذه الآية الكريمة في سورة الحجر.
وقوله جل وعلا : وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ ١٠-١١ ].
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن إنباته بالماء ما يأكله الناس من الحبوب والثمار، وما تأكله المواشي من المرعى من أعظم نعمه على بني آدم، ومن أوضح آياته الدالة على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ [ السجدة : ٢٧ ] وقوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى كُلُواْ وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ في ذالِكَ لآيَاتٍ لأوْلِي النُّهَى [ طه : ٤٥ ]، وقوله : وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ [ النازعات : ٣٠-٣٣ ]، وقوله : وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ [ ق : ٩-١١ ] الآية، وقوله : أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [ النمل : ٦٠ ] وقوله : وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتا وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً [ النبأ : ١٤-١٦ ] والآيات بمثل هذا كثيرة جداً.
تنبيهان
الأول اعلم أن النظر في هذه الآيات واجب، لما تقرر في الأصول «أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب إلا لدليل يصرفها عن الوجوب ». والله جل وعلا أمر الإنسان أن ينظر إلى طعامه الذي به حياته، ويفكر في الماء الذي هو سبب إنبات حبه من أنزله ؟ ثم بعد إنزال الماء وري الأرض من يقدر على شق الأرض عن النبات وإخراجه منها ! ؟ ثم من يقدر على إخراج الحب من ذلك النبات ! ؟ ثم من يقدر على تنميته حتى يصير صالحاً للأكل ! ؟ انْظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ [ الأنعام : ٩٩ ]. الآية. وذلك في قوله تعالى : فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الماء صبا ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقّا ًفَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّا ًوَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ [ عبس : ٢٤-٣٢ ].
وكذلك يجب على الإنسان النظر في الشيء الذي خلق منه، لقوله تعالى : فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ [ الطارق : ٥ ] وظاهر القرآن : أن النظر في ذلك واجب، ولا دليل يصرف عن ذلك.
التنبيه الثاني : اعلم أنه جل وعلا أشار في هذه الآيات من أول سورة «النحل » إلى براهين البعث الثلاثة، التي قدمنا أن القرآن العظيم يكثر فيه الاستدلال بها على البعث.
الأول خلق السموات والأرض المذكور في قوله : خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ [ النحل : ٣ ] الآية. والاستدلال بذلك على البعث كثير في القرآن، كقوله : أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا [ النازعات : ٢٧-٢٨ ] إلى قوله : مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ [ النازعات : ٣٣ ]، وقوله : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْييَ الْمَوْتَى [ الأحقاف : ٣٣ ]، وقوله : لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : ٥٧ ] الآية، وقوله : أَوَلَيْسَ الَذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [ يس : ٨١ ] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم.
البرهان الثاني خلق الإنسان أولاً المذكور في قوله : خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ [ النحل : ٤ ] لأن من اخترع قادر على الإعادة ثانياً. وهذا يكثر الاستدلال به أيضاً على البعث، كقوله : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [ يس : ٧٩ ]، وقوله : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ [ الروم : ٢٧ ] الآية، وقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ في رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ [ الحج : ٥ ]، وقوله : أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هُمْ في لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ ق : ١٥ ] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم.
البرهان الثالث إحياء الأرض بعد موتها المذكور هنا في قوله : يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ [ النحل : ١١ ] الآية، فإنه يكثر في القرآن الاستدلال به على البعث أيضاً، كقوله : فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى [ فصلت : ٣٩ ]، وقوله : وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَالِكَ الْخُرُوجُ [ ق : ١١ ] أي كذلك الإحياء خروجكم من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله : وَيُحْي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [ الروم : ١٩ ] أي من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله : حَتَّى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذالِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الأعراف : ٥٧ ] وقوله : وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذالِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ [ الحج : ٥-٦ ] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم.
فهذه البراهين الثلاثة يكثر جداً الاستدلال بها على البعث في كتاب الله كما رأيت وكما تقدم.
وهناك برهان رابع يكثر الاستدلال به على البعث أيضاً ولا ذكر له في هذه الآيات، وهو إحياء الله بعض الموتى في دار الدنيا، كما تقدمت الإشارة إليه في «سورة البقرة »، لأن من أحيا نفساً واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [ لقمان : ٢٨ ].
وقد ذكر جل وعلا هذا البرهان في «سورة البقرة » في خمسة مواضع.
الأول قوله : ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ البقرة : ٥٦ ].
الثاني قوله : فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذالِكَ يُحْيي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .
الثالث قوله جل وعلا : فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ [ البقرة : ٢٤٣ ].
الرابع قوله : فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : ٢٥٩ ].
الخامس قوله تعالى : قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ البقرة : ٢٦٠ ].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [ النحل : ١٠ ] أي ترعون مواشيكم السائمة في ذلك الشجر الذي هو المرعى. والعرب تطلق اسم الشجر على كل ما تنبته الأرض من المرعى ؛ ومنه قول النمر بن تولب العكلي :
| إنا أتيناك وقد طال السفر | نقود خيلا ضمرا فيها صعر |
والعرب تقول : سامت المواشي إذا رعت في المرعى الذي ينبته الله بالمطر. وأسامها صاحبها : أي رعاها فيه، ومنه قول الشاعر :
| مثل ابن بزعة أو كآخر مثله | أولى لك ابن مسيمة الأجمال |
وقوله : يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ [ النحل : ١١ ] قرأه شعبة عن عاصم «ننبت » بالنون والباقون بالياء التحتية.
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان