وجوابهم عن هذا أن الجائر أيضًا منه، وإن لم يضف إلى نفسه، ولكنه ذكر ذلك على الإطلاق (١)، وابن عباس قد بَيَّنَ ذلك كما حكينا، ولا شبهة لهم في الآية على القول الثاني.
١٠ - قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إلى قوله: وَمِنهُ شَجَرٌ، قال أهل اللغة: الشجر أصناف، فأما جِلُّ الشجر فعظامه التي تبقى على الشتاء، وأما دِقُّ الشجر فصنفان: أحدهما يبقى له أَرُومَةٌ (٢) في الشتاء وَينْبت في الربيع، ومنها ما لا يبقى له ساق في الشتاء؛ كالبقول (٣)، وقال أبو إسحاق: كلُ ما يَنْبُت على الأرض فهو شجر:
(١) لذلك فإن من كمال الأدب أن لا ينسب إلى الله إلا الخير، وأما الشر فإما أن يذكر مطلقًا غير منسوب إليه، وإما أن ينسب إلى السبب الظاهر، ومن أمثلته في القرآن: ما ورد على لسان إبراهيم عليه السلام: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: ٧٨ - ٨٠]، وقال على لسان الخضر: ومَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الكهف: ٦٣]؛ في حين نسب الخير إليه في قوله: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف: ٨٢]، وقال على لسان الجن: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠]، ومن هنا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "والخير كله بيديك، والشر ليس إليك" [مسلم (٧٧١) كتاب: المسافرين، الدعاء في صلاة الليل].
(٢) الأرُومَةُ: أصلُ كلِّ شجرة، والجميعُ الأرُومُ والأرُومَات، وأرَمْتُ الشيءَ: ذهبتُ بأرُومَته وقَلَعْتُه. انظر: "المحيط في اللغة" (أرم) ١٠/ ٢٩٠.
(٣) ورد في "تهذيب اللغة" (شجر) ٢/ ١٨٣٠، بنحوه، وانظر: (شجر) في: "جمهرة اللغة" ١/ ٤٥٨، و "مقاييس اللغة" ٣/ ٢٤٦، و"اللسان" ٤/ ٢١٩٨.
نُطْعِمُها (١) اللحم إذا عَزَّ الشَّجَرْ (٢)
ويعني أنهم يُسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض (٣)، وقال ابن قتيبه في هذه الآية: يعني الكلأ (٤)، ومعنى الآية: أنه ينبت بالماء الذي أنزل من السماء ما يرعاه الراعيةُ من ورق الشجر وجلّها؛ لأن الإبل يرعى جِلَّ الشجر. قال ابن السِّكِّيت: يقال: شاجرَ المالُ، إذا رعى العُشبَ والبَقْلَ فلم يَبْق منها شيء، فصار إلى الشجر يَرْعاه (٥).
وقوله تعالى: فِيهِ تُسِيمُونَ، أي: في الشجر تَرْعَون مواشيكم، يقال: أَسِمْت الماشية إذا خليتها ترعى، وسَامَت هي تَسُومُ سَوْمًا إذا رَعَتْ حيثُ شاءت، فهي سَوَامٌ وسَائِمَةٌ (٦)، قال الزجاج: أُخِذَ ذلك من السّومة؛
(٢) البيت للنمر بن تَوْلَب [مخضرم (ت ١٤ هـ)]. وعجزه:
والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرْ
"ديوانه" ص ٣٥٥، وفيه (عَسَرْ) بدل (ضَررْ)، وورد في "الشعر والشعراء" ص ١٩١ (الشحم) بدل (اللحم) الأولى، و"الأغاني" ٢٢/ ٢٧٩، و"اللسان" (هشش) ٨/ ٤٦٦٧، وورد غير منسوب في "تهذيب اللغة" (لحم) ٤/ ٣٢٤٨، "اللسان" (علف) ٥/ ٣٠٧٠، و"تفسير الألوسي" ١٤/ ١٠٥، في الأخيرين برواية: (نعلفها) بدل (نطعمها)، وورد صدره في "تفسير الرازي" ١٩/ ٢٣٣، والخازن ٣/ ١٠٨، وأبي حيان ٥/ ٤٧٨، وسمى اللبن لحماً؛ لأنها تسمن على اللبن.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٩٢، بنحوه.
(٤) "الغريب" لابن قتيبة ص ٢٤٣، بلفظه.
(٥) "إصلاح المنطق" ص ٣٠٩، بنصه، وانظر: (شجر) في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٨٣١ بنصه، و"الصحاح" ٢/ ٦٩٤، بنصه.
(٦) ورد في "تهذيب اللغة" (سام) ٢/ ١٦٠٢، بنحوه، وانظر: (سوم) في "جمهرة اللغة" ٢/ ٨٦٢، و"المحيط في اللغة" ٨/ ٤٠٣، و"الصحاح" ٥/ ١٩٥٥.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي