المعنى الإجمالي :
في ختم السورة وضحت الآيات سمو القرآن وجلالة قدره، وبينت : أنه هو الثابت الذي لا يزول، وأنه نزل مفرقا ؛ ليسهل حفظه، ولتثبت أحكامه وأسراره، ثم هونت الآيات من شأن المعاندين ووبختهم واحتقرتهم، وبينت : أن كفرهم لا ينقص من قيمة القرآن، فسيان إيمانهم به ووعد إيمانهم، فإن الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب كانوا لا يتمالكون أنفسهم إذا سمعوا القرآن أن يخروا لله ساجدين، يغمرهم التأثر والبكاء.
ثم أردفت الآيات ببيان أنكم إن ناديتم الله أو الرحمان فالأمر سواء، وأمرت الرسول أن يتوسط في صلاته بين الجهر والخفوت وختمت الصورة كما بدأت بحمد الله وتقرير وحدانيته بلا ولد ولا شريك، وتنبيهه عن الحاجة إلى الولي والنصير، وهو العلي الكبير، فيلخص الختام محور السورة التي دارت عليه والذي بدأت به ثم ختمت به.
المفردات :
فرقناه : نزلناه مفرقا على حسب الحوادث. وقيل : فرقنا فيه الحق من الباطل.
على مكث : أي : على مهل. وقرئ على مكث بفتح الميم، وكلاهما بمعنى التؤدة والتأني.
التفسير :
١٠٦- وقرآنا فرقناه لتقرأه على النّاس على مكث ونزّلناه تنزيلا...
وقرآنا١ فرقناه أي : جعلنا نزوله مفرقا منجما، وقرئ : فرقناه بالتشديد٢.
قال ابن عباس : لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة٣.
لتقرأه على الناس على مكث أي : على مهل وتؤدة وتثبت، فإنه أيسر للحفظ وأعون على الفهم.
ونزّلناه تنزيلا أي : على حسب المصالح والحوادث، فقد كان القرآن كتاب الحياة يعالج أخطاءها، ويقوم عوجها، ويجيب على أسئلة السائلين، ويرد على شبه المخالفين، وإذا تتبعنا أسباب نزول القرآن ؛ ظهرت الحكمة واضحة، في تفريق القرآن ونزوله نجوما ؛ لأن النفوس إذا وقعت في مشكلة ؛ تشوفت إلى آيات تحلها، وتأخير الآيات إلى وقت الحاجة ؛ يجعل النفوس تتعلق بها وتتذكر قصتها كلما قرأتها.
فمشروعية التيمم، وحد اللعان، وحد القذف، وحد الزنا، وتحريم الخمر، وتحريم التخلف عن الجهاد، وتحريم التبني، وكثير من الأحكام المشابهة، كانت قضايا ومشاكل في المجتمع تحتاج إلى حل وبيان فكانت آيات القرآن تنزل إثر كل مشكلة توضح حكمها، وتبين حلها.
ففي كتب الصحاح : أن المسلمين تأخروا في بعض الغزوات ؛ ليبحثوا عن عقد للسيدة عائشة، ولم يكن معهم ماء ؛ فنزلت آية التيمم.
وأن رجلا اتهم زوجته بالزنا ؛ فنزلت آية اللعان.
واتهم بعض الناس السيدة عائشة بالزنا مع صفوان ابن المعطل ؛ فنزل حد القذف.
وسكر بعض المسلمين وأساء للآخرين ؛ فنزل تحريم الخمر.
وتخلف ثلاثة من المسلمين عن غزوة تبوك ؛ فنزلت سورة التوبة تفضح المنافقين وتلوم المتخلفين.
وكان التبني معروفا في الجاهلية وصدر الإسلام، ثم حرم القرآن التبني وأمر الله رسوله أن يتزوج مطلقة ابنه المتبني، ليشرع بنفسه للناس إبطال هذه العادة.
وهكذا نجد أن نزول القرآن مفرقا في عشرين سنة كان فرصة مناسبة ؛ ليشرع الأحكام، ويبين الحدود، ويوضح الحلال والحرام، وكان الصحابة يتسابقون إلى العمل بالآيات قبل أن يحفظوها، فطبقوا القرآن سلوكا وهديا، وتعبدا وعملا، مع عنايتهم به قراءة وحفظا.
أخرج البيهقي في الشعب عن عمر رضي الله عنه أنه قال : تعلموا القرآن خمس آيات، خمس آيات، فإن جبريل عليه السلام كان ينزل خمسا خمسا، وكذلك أخرج ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري، والمراد : أن الغالب كذلك ؛ فقد صح أنه نزل بأكثر من ذلك وبأقل منه.
٢ - قال الطبري: اختلف القراء في قراءة ذلك فقرأته عامة قراء الأمصار: فرقناه بتخفيف الراء من فرقناه بمعنى: أحكمناه وفصلناه وبيناه، وذكر عن ابن عباس: أنه كان يقرؤه بتشديد الراء فرقناه بمعنى: نزلناه شيئا بعد شيء، آية بعد آية، وقصة بعد قصة، وأولى القراءتين بالصواب القراءة الأولى..
٣ - تفسير النيسابوري ١٥/١٠١..
تفسير القرآن الكريم
شحاته