قوله تعالى : اقرأ كَتَابَكَ : على إضمار القول، أي : يقال له : اقرأ، وهذا القول : إمَّا صفةٌ أو حالٌ، كما في الجملة قبله. وهذا القائل هو الله تعالى.
قال الحسن :" يَقْرءُوهُ أمِّيًّا كان، أو غير أمِّيٍّ " ١.
وقال أبو بكر بن عبد الله - رضي الله عنه- : يؤتى المؤمنُ يوم القيامةِ بصحيفته، وحسناته في ظهرها، يغبطه الناس عليها، وسيئاته في جوف صحيفته، وهو يقرؤها، حتَّى إذا ظنَّ أنها قد أوبقته، قال الله له :" قَدْ غَفَرْتُ لَكَ فِيمَا بَينِي وبَينكَ " فيعظم سروره٢ ويصير من الَّذين قال الله - عزَّ وجلَّ - في حقهم : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ [ عبس : ٣٨، ٣٩ ].
قوله تعالى : كفى بِنَفْسِكَ فيه ثلاثة أوجه :
المشهور عند المعربين : أنَّ " كَفَى " فعل ماضٍ، والفاعل هو المجرور بالباء، وهي فيه مزيدة، ويدلُّ عليه أنها إذا حذفت ارتفع ؛ كقوله :[ الطويل ]
| ويُخْبِرنِي عَن غَائبِ المَرْءِ هَديهُ | كَفَى الهَدْيُ عَمَّا غَيَّبَ المَرءُ مُخْبِرا٣ |
| . . . . . . . . . . . . . . . . . | كَفَى الشَّيْبُ والإسلامُ للمَرْءِ نَاهِيَا٤ |
والثاني : أن الفاعل ضمير المخاطب، و " كفى " على هذا اسم فعل أمر، أي : اكتفِ، وهو ضعيف ؛ لقبولِ " كَفَى " علاماتِ الأفعالِ.
الثالث : أن فاعل " كََفَى " ضمير يعود على الاكتفاء، وتقدَّم الكلام على هذا. و " اليَوْمَ " نصبٌ ب " كَفَى ".
قوله :" حَسِيباً " فيه وجهان :
أحدهما : أنه تمييزٌ، قال الزمخشريُّ :" وهو بمعنى حاسبٍ ؛ كضريب القداح ؛ بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم، ذكرهما سيبويه٥، و " على " متعلقة به من قولك : حَسِبَ عليه كذا، ويجوز أن يكون بمعنى الكافي ووضع موضع الشَّهيد، فعدِّي ب " عَلَى " لأنَّ الشاهد يكفي المدَّعي ما أهمَّه، فإن قلت : لِمَ ذكر " حَسِيباً " ؟ قلت : لأنه بمنزلةِ الشاهد، والقاضي، والأمين، وهذه الأمور يتولاَّها الرجال ؛ فكأنَّه قيل : كفى بنفسك رجلاً حسيباً، ويجوز أن تتأوَّل النفس بمعنى الشخص، كما يقال : ثلاثةُ أنفسٍ ". قلت : ومنه قول الشاعر :[ الوافر ]
| ثَلاثةُ أنْفُسٍ وثَلاثُ ذَودٍ | لقَد جَارَ الزَّمانُ على عِيَالِي٦ |
قال الحسن - رضي الله عنه - :" عَدلَ، والله، في حقّك من جعَلكَ حَسِيبَ نَفْسكَ " ٧.
وقال السديُّ :" يقول الكافر يومئذٍ : إنَّك قَضيْتَ أنَّك لست بظلام للعبيد، فاجعلني أحاسِبُ نفسِي فيقال له : اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً " ٨.
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ البيت لزياد بن زيد العدوي ينظر: البحر ٦/١٤، الفراء ٢/١١٩، روح المعاني ١٥/٣٣، التهذيب واللسان "هدى" الدر المصون ٤/٣٧٧..
٤ تقدم..
٥ ينظر: الكتاب ٢/٢١٥..
٦ تقدم..
٧ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٠٨) والرازي في "تفسيره" (٢٠/١٣٥)..
٨ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٠/١٣٥) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣٠٤) عن السدي وعزاه إلى ابن أبي حاتم..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود