ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ

" ومن أراد الآخرة و سعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ".
مريد الآخرة وجزاءه :
وهذا قسم آخر من الخلق، قصد بعمله الآخرة و إياها طلب، وثوابها انتظر يرجوا أن يزحزح فيها عن النار ويفوز بالجنة، ويحل عليه الرضوان.
فهذا كان سعيه مشكورا بثلاثة شروط :
شروط السعي المشكور :
الشرط الأول :
أن يقصد بعمله ثواب الآخرة قصدا مخلصا، كما يفيده فعل الإرادة في :
" ومن أراد الآخرة "، ولام الأجل في " وسعى لها١ "
الشرط الثاني :
أن يعمل لها عملها المعروف في الشرع اللائق بها الذي لا عمل يفضي إلى نيل ثوابها سواه، وهو طاعة الله تعالى وتقواه، بامتثال أوامره ونواهيهن والوقوف عند حدوده.
الشرط الثالث :
أن يكون مؤمنا موقنا بثواب الله تعالى وعظيم جزائه.
فإذا توفرت هذه الشروط الثلاثة لهم " كان سعيهم مشكورا " متقبلا مثابا عليه بحسن الثناء، وجميل الجزاء، على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة :" والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ".
و إذا اختل واحد منها فليس العمل بمتقبل ولا بمثاب عليه، بضرورة انعدام المشروط بانعدام شرطه.
و في هذه الشروط مباحث :
المبحث الأول :
أن قصد الثواب والجزاء على العمل لا ينافي الإخلاص فيه لله ؛ لأن الإخلاص هو أن تجعل عبادتك لله وحده، و رجاؤك الثواب وطمعك فيه، و حذرك العقاب وخوفك منه، هما مقامان عظيمان لك في جملة عبادتك.
يجب عليك أن تكون فيهما أيضا مخلصا، لا ترجو إلا ثوابه، و لا تخاف إلا عقابه.
و إذا أخلصت في رجائك وخوفك هانت عليك نفسك فقمت في طاعته مجاهدا لا يردك معارض، و لا تأخذك في الله لومة لائم. و صغرت في نظرك العوالم كلها فنطقت بقولك :" الله أكبر " نطق عالم واجد مشاهد.
والمقصود : أن رجاء الثواب وخوف العقاب روحهما الإخلاص فكيف ينافيانه ؟٢.
فالعامل الراجي للثواب الخائف من العقاب المخلص في الجميع، آت بأربع عبادات : عمله، ورجائه، وخوفه، وإخلاصه، وهو٣ روح الجميع.
وقد جاء في القرآن ثناء شيخ الأنبياء ابراهيم الخليل، عليه وعليهم الصلاة والسلام هكذا :
" والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين " ٤
وذكر تعالى دعاء عباد الرحمن الصالحين هكذا :
" ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما " ٥.
و في دعاء القنوت :( نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد ) إلى غير هذا من أدلة كثيرة تؤيد ما ذكرناه٦.
المبحث الثاني :
أفاد هذا الشرط أن من لم يرد الآخرة لم يكن سعيه مشكورا.
و في هذا تفصيل :
أ – لأن العامل إما أن يكون في عبادته لم يرد بها الآخرة أصلا، بل أراد بها شيئا دنيويا من محمدة الخلق، أو استفادة شيء، أو تحصيل منفعة العمل.
أو أراد الآخرة، وشيئا مما ذكر شركة متساوية أو متفاوتة.
ب – و إما أن يكون في عمل عادة، لم يرد بها الآخرة أصلا. بل أراد الغرض الدنيوي.
أو أرادهما معا، والدنيوي وسيلة للأخروي.
فهنالك – إذن أقسام :
القسم الأول :
العامل في أمر تعبدي كالصلاة، والصدقة، والحج، والعلم، فهذا إذا لم يرد الآخرة أصلا فهو موزور غير مشكور، و فيه جاء حديث أبي هريرة في الصحيح قال :" سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم يقول :
" إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها : قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت. قال : كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء. فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
و رجل تعلم العلم وعلمه، و قرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال : فماذا عملت فيها : قال تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن.
قال : كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال : عالم، و قرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار.
ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال : فما عملت فيها ؟ قال : ما تركت من سبيل تحب أن بنفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال : كذبت، و لكنك فعلت ليقال هو جواد. فقد قيل : ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ".
و هذا الذي كان من هؤلاء هو الرياء وهو : أن يفعل العبادة ليقال إنه مطيع. وما دخل الرياء في عبادته إلا أحبطها، ولو كان قليلا ؛ لحديث أبي هريرة في الصحيح / قال رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم :
قال الله تبارك وتعالى : أنا أغني الشركاء عن شرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ". و إشراك غيره معه صادق بالقليل والكثير، فلا فرق بينهما في الإحباط. والعامل المرائي موزور غير مشكور.
القسم الثاني :
العامل في العبادة الذي يقصد بها ثواب الآخرة وشيئا آخر من أعراض الدنيا : كالرجل يبتغي الجهاد، وهو يريد من عرض الدنيا. و قد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا، فقال :" لا أجر له ". رواه أبو داود وابن حبان.
تنظير
و على وازنه نقول : من قصد الهجرة والتزوج لامرأة معا.
أو قصد الوضوء والتبرد، أو قصد الصوم والحمية – و إن صحت عبادته، لأن الصحة تتوقف على نية القصد، والثواب يتوقف على نية الإخلاص – لا أجر له.
هذا إذا سوي ما بينهما في القصد كما هو ظاهر لفظ الحديث. و أما إذا كان الغالب هو قصد العبادة فالظاهر أنه له من الأجر بقدر ما غلب من قصده.
القسم الثالث :
العامل في العبادة الذي يكون قصده إلى ثواب الآخرة، و ما عداه من منافع تلك العبادة ملحوظ له على سبيل التبع لها من حيث إنه مصلحة شرعية معتبرة في التشريع.
و الأحكام الشرعية المعللة بفوائدها في الآيات و الأحاديث لا تحصى كثرة ومنها في الحج. " ليشهدوا منافع لهم "، ومن منافع الحج الحركة الاقتصادية لخير تلك البقاع ومصلحة أهلها، وغزارة عمرانها. و لذا قال تعالى :" ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ". والفضل هنا هو الاتجار في مواسم الحج.
فكل منفعة تجلبها عبادة، أو مضرة تدفعها، فملاحظتها عند قصد العبادة لا تنافي الإخلاص، ولا تنقص من أجر العامل، و هي مثل الثواب المرتب على العمل : هي في الدنيا وهو في الآخرة، وكلاهما من رحمة الله التي نرجوها بأعمالنا. ويشملها لفظ دعاء القنوت :" نرجو رحمتك " إذ هو تبارك وتعالى رحمان الدنيا و الآخرة ورحيمها.
القسم الرابع :
العامل لعمل عادي دنيوي، من أكل وشرب ونوم وجماع و نحوها، فهذا إذا قصد بعمله النفع الدنيوي، ولا قصد له في الثواب، فهو غير مأجور ولا مأزور، وهذه هي حالة أهل الغفلة والجهل.
القسم الخامس :
عامل الأعمال العادية الذي يتناولها بنية كونها مباحا تناولها شرعا.
ويقصد بها التوسل إلى ما يتوقف عليها من أعمال واجبة ومندوبة. و إلى الانكفاف بها عن المحرمات والمكروهات.
كمباضعة زوجته للقيام بواجب حقها، وكف نفسه وكفها.
وكالنوم ليقوى على العبادة.
والرياضة ليصح للطاعة. فهذا مثاب وسعيه مشكور، وله ما نوى.
وبهذه السبيل يستطيع العبد الموفق أن تكون حركاته وسكناته كلها لله و في طاعته، دائم الذكر له يعبده كأنه يراه، لأن من كان يعبد كأنه يرى مولاه لا يمكن أن يغفل عنه قلبه ويشغل بسواه، حتى إذا اشتغل بشيء كان بإذنه ورضاه فلم يخرج في أي عن حضرة قدس الله.
ومن أدلة هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أبي ذر رضي الله عنه عند مسلم :
" وفي بضع٧ أحدكم صدقة. قالوا يا رسول الله : أيأتي أحدنا شهوته و يكون له فيها أجر ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر٨ ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ".
***
٣- المبحث الثالث :
من الناس من يخترع أعمالا و أوضاعا من عند نفسه، ويتقرب بها إلى الله مثل : ما اخترع المشركون عبادة الأوثان بدعائها، والذبح عليها، والخضوع لديها، وانتظار قضاء الحوائج منها... وهم يعلمون أنها مخلوقة لله، مملوكة له، وإنما يعبدونها – كما قالوا – لتقربهم إلى الله زلفى.
وكما اخترع طوائف من المسلمين الرقص، والزمر، والطواف حول القبور، والنذر لها، والذبح عندها، ونداء أصحابها، وتقبيل أحجارها ونصب التوابيت عليها، وحرق البخور عندها، وصب العطور عليها...
فكل هذه الاختراعات فاسدة في نفسها، لأنها ليست من سعي الآخرة الذي كان يسعاه محمد – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – و أصحابه من بعده، فساعيها موزور غير مشكور.
المبحث الرابع :
ثبوت الإيمان شرط العمل :
شكر الرب لعبده هو جزاء شكر عبده له، و إنما يكون العبد شاكرا لربه إذا كان عاملا بطاعته مؤمنا به ؛ فإذا انعدم الإيمان لم يتصور شكران وهذا مستفاد من قوله تعالى :( وهو مؤمن ).
و أفادت الجملة الإسمية ثبوت الإيمان و رسوخه حال العمل.
وعلى قدر ثبوت الإيمان ورسوخه يكون الثبات والدوام على الأعمال :
فالمؤمن بالله يعمل موقنا برضاه، موقنا بلقائه وعظيم جزائه، فهو يعمل ولا يفشل، وسواء عليه أوصل إلى الغاية التي يسعى إليها، أم لم يصل إليها : حال بينه وبينها موانع الدنيا أو مانع الموت، كانت مما تجنى ثماره في جيله أو لا تجنى ثماره إلا بعد أجيال٩.
فأفادت الجملة المذكورة شرط القبول للعمل، وسر الدوام عليه والمضي بغبطة وسرور فيه.
الجانب العلمي في الآية :
إن المسلمين كلهم – والحمد لله – أهل إيمان، فليستشعروه عند جميع الأعمال، و لا يخلون من عمل لمعاشهم أو لمعادهم، فليقصدوا بذلك كله وجه الله وامتثال أمره و حسن جزائه. وليقتصروا في عبادتهم على ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ليكونوا على يقين من موافقة رضى الله، وسلوك طريق النجاة١٠.
فإذا فعلوا هذا و صمدوا إليه و جاهدوا أنفسهم في حملها عليه – كانوا شاكرين مشكورين على تفاوتهم في منازل العاملين عند رب العالمين، والله يقول الحق و هو يهدي السبيل.

١ أي لأجلها..
٢ استفهام بمعنى النفي، أي لا ينافيه..
٣ الإخلاص..
٤ سورة الشعراء الآية ٧٢..
٥ سورة الفرقان الآية ٦٥. وغراما لازما موجعا.
.

٦ و سيأتي بسط واسع في هذا المقام عند شرح قوله تعالى :" ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما".
.

٧ البضع قطعة من اللحم. والمراد هنا أن يأتي الرجل زوجته، ويقصد بذلك ما سبق، فله أجر
.

٨ استفهام تقريري بمعنى : نعم.
.

٩ كزراعة الشجر الذي لا يثمر إلا بعد وقت طويل كالنخل، وقصد الإسلام من ذلك تعمير الكون وعماره، كحديث إذا قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة، فاستطاع أن يزرعها
فليزرعها.
.

١٠ يحرص الإمام في تفسيره لآيات القرآن الكريم على أن يلتمس العبرة، ويشير إلى مواطن العظة، وكيفية تنفيذ الجانب العلمي في الآية، وحتى نعلم ما هي معطيات الآية فنطلبها منها، و ما ليس منها فلا نقسرها عليه بأن نخضع آياته لما نريد، و إنما تنزل على ما يريد بعد عرض حالنا عليه.
.

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير