النظر في تفاضل البشر :
التفاضل وسببه
" أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض، وللآخرة أكبر درجات و أكبر تفضيلا ".
إن من أعظم العبرة ما نشاهده في أحوال الخلق، أمما وجماعات وأفرادا من الاختلاف الشديد : فقد اختلفت بواطنهم النفسية، كما اختلفت ظواهرهم الجسدية. و إنك كما تجد أبناء الأمة الواحدة يتشابهون في تركيب أجسامهم، ثم لا بد من فروق تتمايز بها أشخاصهم.
كذلك تجدهم يتشابهون في شؤونهم النفسية، مع فروق لازمة تتمايز بها شخصياتهم. و يتبع هذا الاختلاف اختلافهم في إدراكهم، وتمييزهم، وأخلاقهم، وعاداتهم، في ضلالهم و هداهم، و في درجات الهدى ودركات الضلال١.
كل هذا دال على بديع صنع الخالق القدير، وعجيب وضع العليم الحكيم، فمكنهم تعالى كلهم من الأسباب، وإدراك العقل و حرية الإرادة. ثم فضل بينهم هذا التفضيل.. فكان منهم المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والشقي والسعيد، إلى تقسيم كثير.
وفقه أسباب هذا التفضيل، هو فقه الحياة والعمران والاجتماع. فلذا أمر تعالى بالنظر في أحوال هذا التفضيل بقوله :" أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ".
( وكيف ) سؤال عن الأحوال، والنظر المأمور به هو نظر القلب بالفكرة والاعتبار.
والجملة في محل نصب على العامل عن لفظها بكلمة الاستفهام.
التفاضل والتفاوت الأخروي
وكما فضل بعض خلقه على بعض في دار الابتلاء، كذلك فضل بعضهم على بعض في دار الجزاء. لكن التفضيل هناك أكبر، والتفاوت بين العباد أظهر ؛ في مواقف القيامة، وفي داري٢الإقامة، ويا بعد ما بين من في الجنة ومن في النار !
و أهل النار متفاوتون في دركاتها، و أهل الجنة متفاوتون في درجاتها.
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال :
" إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ".
و روى البخاري ومسلم عن أبي سعد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم قال :
" إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا : يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟ قال بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين ".
و قال تعالى :" إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار٣ ". وهذا التفضيل الأخروي هو المراد بقوله تعالى :" وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا
و في هذا ترغيب للخلق في تحصيل الفضل في درجات الآخرة ؛ فإنهم إنما يتهالكون في الدنيا على أن يفضل بعضهم بعضا في شيء منها، وهي الدار الفانية. فلم لا يتسابقون فيما ينالون به الفضل في الدار الباقية ؟ ! مع أن من عمل لنيل الفضل غي الآخرة – وما عملها إلا الخير والمعروف – حاز الفضل والسعادة فيهما على أفضل وجه، وأكمل حال.
فللآخرة ونيل درجاتها فليعمل العاملون، و في ذلك فليتنافس المتنافسون.
.
٢ داري الإقامة : الجنة والنار..
٣ سورة النساء : الآية ١٤٥
.
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي