الآخِرَةَ عَلَى نِيَّةِ الدُّنْيَا ".
وعن الحسن قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِذَا كَانَ الْعَبدُ هَمُّهُ الآخِرَةَ كَفَى اللَّه لَهُ مِنْ ضَيعَتِهِ، وَجَعَلَ غَنَاءَهُ فِي قَلْبِهِ، وَإِذَا كانَ هَمُّهُ الدُّنْيَا أَفْشَى اللَّه عَلَيهِ ضَيعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيّنَ عَينَيهِ؛ فَلا يُمْسِي إِلا فَقِيرًا، ولا يُصْبحُ إِلا فَقِيرًا ".
وقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ)؛ للعاجلة - (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ)، وأما من كان يريد العاجلة؛ للآخرة - فهو ليس بمذموم؛ فهو ما ذكر في قوله: (فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا)، وهو ما قال: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ...) الآية، وقوله: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ...).
وأمَّا من أراد الحياة الدنيا؛ لحياة الآخرة - فهو ليس بلعب ولا لهو؛ لأن الدنيا لم تُنْشَأ لنفسها؛ إنما أنشئت للآخرة؛ فمن رآها لها وأرادها لنفسها - فهو لعب ولهو، ومن رآها للآخرة وأرادها للآخرة فهو ليس بلعب ولا لهو.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)
في الدنيا في الرزق وفي الخلقة: يكون بعضهم أعمى، وبعضهم بصيرًا، أو يكون أصم ويكون سميعًا، ونحوه؛ فعلى ما يكون في الدنيا على التفاوت والتفاضل يكونون في الآخرة كذلك في المنزلة والقدر عند اللَّه، لا في الضيق والسعة والأحوال التي يكونون في الدنيا؛ حيث قال: (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا).
ولم يقل: أكثر ولا أوسع، دل أنه على القدر والمنزلة عند اللَّه، لا على اختلاف الأحوال التي يكونون في الدنيا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: [(لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)]
قد ذكرنا فيما تقدم أن النهي في مثل هذا والخطاب - لرسوله، وإن كان غير موهوم ذلك منه؛ للعصمة التي عصمه؛ فإنه غير مستحيل في ذاته؛ لما ذكرنا أن العصمة إنما
ينتفع بها مع النهي والأمر؛ لأنه لولا الأمر والنهي ما احتيج إليها، أو خاطبه به على إرادة غيرٍ؛ على ما يخاطب به ملوك الأرض الأقرب إليهم والأعظم والخطر منهم دون خسائس الناس ورذالهم.
والثاني: أنه يخاطب كلًا في نفسه، ليس أنه يخص رسوله بذلك، ولكن كل موهوم ذلك منه.
ويحتمل أن لخاطب به كقوله: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ)، و (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)؛ ليس إنسان أحق بهذا الخطاب من إنسان؛ فعلى ذلك الأول، أو يقول: إنه يخاطب رسوله؛ ليعلم من دونه أن ليس لأحد وإن عظم قدره عند اللَّه وارتفع محله ومنزلته - محاباة في الدِّين؛ لأن الرسل هم المكرمون على اللَّه المعظمون عنده؛ فإذا لم يعف عنهم في هذا - لم يعف من دونهم؛ ألا ترى أنه قال للملائكة: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ)، وهم أكرم خلق اللَّه؛ حيث وصفهم اللَّه أنهم: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)؟!؛ فعلى ذلك الرسل؛ ألا ترى أنه قال على أثره: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) إلى قوله: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا)، ومعلوم أن أبويه كانا ضالين؛ فلا يحتمل أن يخاطب رسوله في قوله: (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا)؛ دل أنه خاطب به كل محتَمَل ذلك منه وموهوم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا).
عند الناس.
(مَخْذُولًا).
أي: ذليلًا مقهورًا؛ لأن الخذلان هو ضد النصر والعون؛ ألا ترى أنه قال: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ...) الآية. ذكر الخذلان مقابل النصر؛ فعلى ذلك قوله: (مَخْذُولًا)، أي: مقهورًا ذليلًا غير منصور، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم