ﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

واخفض لهما جناحَ الذل ؛ أَلِنْ لهما جانبك الذليل، وتذلل لهما وتواضع. استعار للذل جناحًا، وأضافه إليه ؛ مبالغة ؛ فإنَّ الطير إذا تذلل أرخى جناحه إلى الأرض، كذلك الولد، ينبغي أن يخضع لأبويه، ويلين جانبه، ويتذلل لهما غاية جهده. وذلك مِنَ الرحمة أي : من إفراط الرحمة لهما والرقة والشفقة عليهما.
وقل ربِّ ارحمهما أي : وادع الله أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتف برحمتك الفانية، وإن كانا كافرين ؛ لأن من الرحمة أن يهديهما للإسلام، فقل اللهم ارحمهما كما ربياني صغيرًا أي : رحمة مثل رحمتهما عليّ وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري، وفاء بعهدك للراحمين. فالكاف في محل نصب ؛ على أنه نعت لمصدر محذوف، أي : رحمة مثل تربيتهما، أو مثل رحمتهما لي، على أن التربية رحمة. ويجوز أن يكون لهما الرحمة والتربية معًا، وقد ذكر أحدهما في أحد الجانبين والآخر في الآخر، كما يلوح له التعرض لعنوان الربوبية، كأنه قيل : رب ارحمهما، ورَبِّهِمَا كما ربياني صغيرا. ويجوز أن يكون الكاف للتعليل، كقوله :
وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ [ البقرة : ١٩٨ ].
ولقد بالغ الحق تعالى في التوصية بالوالدين ؛ حيث شفع الإحسان إليهما بتوحيده سبحانه، ونظمهما في سلك القضاء بعبادته، ثم ضيق في برهما حتى لم يُرخص في أدنى كلمة تتفلت من المتضجر، وختمها بأن جعل رحمته التي وسعت كلَّ شيء مشبهة بتربيتهما. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" رِضَا اللهِ في رضا الوَالِدَين، وَسَخَطُهُ في سَخَطِهِمَا " (١) ورُوي : أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أبَويَّ بَلَغَا مِنْ الكِبَر إلى أنِّي ألي منهما ما وَلَيَا مِنِّي في الصغر، فهل قضيتهما حقهما ؟ قال :" لا ؛ فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما " ورُوي أن شيخًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن ابني هذا له مال كثير، ولا ينفق عليّ من ماله شيئًا، فنزل جبريل وقال : إن هذا الشيخ أنشأ في ابنه أبياتًا، ما قُرعَ سَمْعٌ بمثلها، فاستنشدها، فأنشدها الشيخ، فقال :

غَذَوْتُك مَوْلُودًا ومُنْتُك يَافعًا تُعلُّ بما أُجْرِي عليك وتَنْهَلُ
إذَا لَيْلةٌ ضَافَتْك بالسُّقْمِ لَم أَبِتْ لسُقْمِكَ إلا باكِيًا أَتَملْمَلُ
كَأَنِّي أنا الْمَطْرُوقُ دُونَكَ بالذي طُرِقتَ به دُوني وعَيْنِيَ تمْهَلُ
فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنَّ والغَايَةَ الَّتي إليْها مَدَى مَا كُنْتُ فِيك أُؤَمِّلُ
جَعَلْتَ جزَائي غلْظَةً وفَظَاظَةً كأَنّك أنتَ المُنْعمُ الْمُتَفَضِّلُ
فَلَيْتَكَ إذ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبوَّتي فَعَلْتَ كَمَا الجَارُ المجاورُ يَفْعَلُ(٢)
ومن تمام برهما : زيارتهما بعد موتهما، والدعاء لهما، والتصدق عليهما، ففي الحديث :" إنما الميت في قبره كالغريق، ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديقه، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها ". وروى مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه قال :( كان يقال : إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده، وأشار بيده نحو السماء )، وهو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم : من طريق أبي هريرة قال :" إن الله ليرفع العبد الدرجة، فيقول : يا رب، أنَّى لي بها ؟ ! فيقول : باستغفار ابنك لك " (٣)، وسأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم : هل بقي من بر أبويَّ شيء أبرهما به، بعد موتهما ؟ فقال :" نعم. . . الصلاة عليهما - أي : الترحم والاستغفار لهما -، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما " (٤).
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كل ما أوحى الله تعالى به في حق والدي البشرية، يجري مثله في والد الروحانية، وهو الشيخ، ويزيد ؛ لأنه أوكد منه ؛ لأنَّ أب البشرية كان السبب في خروجه إلى دار الدنيا، معرضًا للعطب أو السلامة، وأب الروحانية كان سببًا في خروجه من ظلمة الجهل إلى نور العلم والوصلة، وهما السبب في التخليد في النعيم الذي لا يفنى ولا يبيد. وقد تقدم في سورة النساء تمام هذه الإشارة(١). والله تعالى أعلم.

١ أخرجه الترمذي في البر باب ٣، بلفظ: "وسخط الرب في سخط الوالد"..
٢ أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٦/٣٠٤..
٣ أخرجه أحمد في المسند ٢/٥٠٩..
٤ أخرجه أبو داود في الأدب، (باب في بر الوالدين)، والحاكم في المستدرك ٢/٣٠٦٦..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير