ﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

ثم نزّه نفسه عن ذلك فقال : سبحانه ؛ تنزيهًا له وتعالى ؛ ترافع عمّا يقولون من الشركاء، عُلوًا ؛ تعاليًا كبيرًا لا غاية وراءه. كيف لا ؛ وهو تعالى في أقصى غاية الوجود ! وهو الوجوب الذاتي، وما يقولونه ؛ من أنَّ له تعالى شركاء وأولادًا، في أبعد مراتب العدم، أعني : الامتناع ؛ لأنه من خواص المحدثات الفانية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كل ما دخل عالم التكوين من العرش إلى الفرش، أو ما قُدر وجوده من غيرهما ؛ كله قائم بين حس ومعنى، بين عبودية وربوبية، بين قدرة وحكمة. فالحس محل العبودية، فيه تظهر قهرية الربوبية، والمعنى هو أسرار الربوبية القائمة بالأشياء، فالأشياء كلها تنادي بلسان معناها، وتقول : سبحانه ما أعظم شأنه، ولكن لا يفقه هذا التسبيح إلا من خاض بحار التوحيد، وغاص في أسرار التفريد.
فالأشياء ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، قائمة من حيث حسها، ممحوة من حيث معناها، ولا وجود للحس من ذاته، وإنما هو رداء لكبرياء ذاته. وفي الحديث، في وصف أهل الجنة :" وليس بينهم وبين أن ينظروا إلى الرحمن إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ". فمن خرق حجاب الوهم، وفنى عن دائرة الحس في دار الدنيا، لم يحتجب الحق تعالى عنه في الدارين طرفة عين. فتحصل أن الأشياء كلها تُسبح من جهة معناها بلسان المقال، ومن جهة حسها بلسان الحال، وتسبيحها كما ذكرنا. ولا يذوق هذا إلا من صحب العارفين الكبار، حتى يخرجوه عن دائرة حس الأكوان إلى شهود المكون. وحسب من لم يصحبهم التسليم، كما قال القائل :

إذا لَمْ تَرَ الْهِلاَلَ فَسَلِّمْ لأُناسٍ رَأَوْهُ بِالأبْصارِ
والله تعالى أعلم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير