مُتَحَيِّرِينَ لَا يَفْهَمُونَ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِذَا سَمِعُوا آيَةً فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَذَمُّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَلَّوْا نُفُورًا وَتَرَكُوا ذَلِكَ الْمَجْلِسَ، وَذَكَرَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ: وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: الْمَصْدَرُ وَالْمَعْنَى وَلَّوْا نَافِرِينَ نُفُورًا، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ نُفُورًا جَمْعَ نَافِرٍ مِثْلَ شُهُودٍ وَشَاهِدٍ وَرُكُوعٍ وَرَاكِعٍ وَسُجُودٍ وَسَاجِدٍ وَقُعُودٍ وَقَاعِدٍ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَيْ نَحْنُ أعلم بالوجه الذي يستمعون به وهو الهزء والتكذيب. وبِهِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، كَمَا تَقُولُ: مُسْتَمِعِينَ بِالْهُزُؤِ وإِذْ يَسْتَمِعُونَ نصب بأعلم أَيْ أَعْلَمُ وَقْتَ اسْتِمَاعِهِمْ بِمَا بِهِ يَسْتَمِعُونَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى أَيْ وَبِمَا يَتَنَاجَوْنَ بِهِ إذ هم ذوو نَجْوَى: إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِذْ هُمْ نَجْوى... إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً وَفِيهِ مَبَاحِثُ: الْأَوَّلُ:
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا أَنْ يَتَّخِذَ طَعَامًا وَيَدْعُوَ إِلَيْهِ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَفَعَلَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ وَدَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَقَالَ: قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى تُطِيعَكُمُ الْعَرَبُ وَتَدِينَ لَكُمُ الْعَجَمُ فَأَبَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَكَانُوا عِنْدَ اسْتِمَاعِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ وَالدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَقُولُونَ: بَيْنَهُمْ مُتَنَاجِينَ هُوَ سَاحِرٌ وَهُوَ مَسْحُورٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَتَّبِعُوا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَقُولُوا: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً.
قُلْنَا: مَعْنَاهُ أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُ فَقَدِ اتَّبَعْتُمْ رَجُلًا مَسْحُورًا، وَالْمَسْحُورُ الَّذِي قَدْ سُحِرَ فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِ عَقْلُهُ وَزَالَ عَنْ حَدِّ الِاسْتِوَاءِ هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَسْحُورُ هُوَ الَّذِي أُفْسِدَ يُقَالُ: طَعَامٌ مَسْحُورٌ إِذَا أُفْسِدَ عَمَلُهُ وَأَرْضٌ مَسْحُورَةٌ أَصَابَهَا مِنَ الْمَطَرِ أَكْثَرُ مِمَّا يَنْبَغِي فَأَفْسَدَهَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُرِيدُ بَشَرًا ذَا سَحْرِ أَيْ ذَا رِئَةٍ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَلَا أَدْرِي مَا الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الْمُسْتَكْرَهِ مَعَ أَنَّ السَّلَفَ فَسَّرُوهُ بِالْوُجُوهِ الْوَاضِحَةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَسْحُوراً أَيْ مَخْدُوعًا لِأَنَّ السِّحْرَ حِيلَةٌ وَخَدِيعَةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَتَعَلَّمُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ/ وَأُولَئِكَ النَّاسُ يَخْدَعُونَهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَهَذِهِ الْحِكَايَاتِ، فَلِذَلِكَ قَالُوا: إِنَّهُ مَسْحُورٌ أَيْ مَخْدُوعٌ، وَأَيْضًا كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَخَيَّلُ لَهُ فَيَظُنُّ أَنَّهُ مَلَكٌ فَقَالُوا: إِنَّهُ مَخْدُوعٌ مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ.
ثُمَّ قَالَ: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أَيْ كُلُّ أَحَدٍ شَبَّهَكَ بِشَيْءٍ آخَرَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ كَاهِنٌ وَسَاحِرٌ وَشَاعِرٌ وَمُعَلَّمٌ وَمَجْنُونٌ، فَضَلُّوا عَنِ الْحَقِّ وَالطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهدى والحق.
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤٩ الى ٥٢]
وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً (٥٢)
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا تَكَلَّمَ أَوَّلًا فِي الْإِلَهِيَّاتِ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ شُبُهَاتِهِمْ فِي النُّبُوَّاتِ، ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ شُبَهَاتِ الْقَوْمِ فِي إِنْكَارِ الْمَعَادِ وَالْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا أَنَّ مَدَارَ الْقُرْآنِ عَلَى الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ: الْإِلَهِيَّاتُ وَالنُّبُوَّاتُ وَالْمَعَادُ وَالْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ، وَأَيْضًا أَنَّ الْقَوْمَ وَصَفُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَوْنِهِ مَسْحُورًا فَاسِدَ الْعَقْلِ، فَذَكَرُوا مِنْ جُمْلَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عَقْلِهِ أَنَّهُ يدعي أن الإنسان بعد ما يَصِيرُ عِظَامًا وَرُفَاتًا فَإِنَّهُ يَعُودُ حَيًّا عَاقِلًا كَمَا كَانَ، فَذَكَرُوا هَذَا الْكَلَامَ رِوَايَةً عَنْهُ لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ مُخْتَلَّ الْعَقْلِ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الرَّفْتُ كَسْرُ الشَّيْءِ بِيَدِكَ، تَقُولُ: رَفَتُّهُ أَرْفِتُهُ بِالْكَسْرِ كَمَا يُرْفَتُ الْمَدَرُ وَالْعَظْمُ الْبَالِي، وَالرُّفَاتُ الْأَجْزَاءُ الْمُتَفَتِّتَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُكْسَرُ. يُقَالُ:
رَفَتَ عِظَامَ الْجَزُورِ رَفْتًا إِذَا كَسَرَهَا، ويقال للتبن: الرُّفَتُ لِأَنَّهُ دُقَاقُ الزَّرْعِ. قَالَ الْأَخْفَشُ: رَفَتَ رَفْتًا، / فَهُوَ مَرْفُوتٌ نَحْوَ حَطَمَ حَطْمًا فَهُوَ محطوم والرفات والحطام الاسم، كالجذاد وَالرُّضَاضِ وَالْفُتَاتِ، فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ. أَمَّا تَقْرِيرُ شُبْهَةِ الْقَوْمِ: فَهِيَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ جَفَّتْ أَعْضَاؤُهُ وَتَنَاثَرَتْ وَتَفَرَّقَتْ فِي حَوَالَيِ الْعَالَمِ فَاخْتَلَطَ بِتِلْكَ الْأَجْزَاءِ سَائِرُ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ. أَمَّا الْأَجْزَاءُ الْمَائِيَّةُ فِي الْبَدَنِ فَتَخْتَلِطُ بِمِيَاهِ الْعَالَمِ، وَأَمَّا الْأَجْزَاءُ التُّرَابِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِتُرَابِ الْعَالَمِ، وَأَمَّا الْأَجْزَاءُ الْهَوَائِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِهَوَاءِ الْعَالَمِ، وَأَمَّا الْأَجْزَاءُ النَّارِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِنَارِ الْعَالَمِ وَإِذَا صَارَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ اجْتِمَاعُهَا بِأَعْيَانِهَا مَرَّةً أُخْرَى وَكَيْفَ يُعْقَلُ عَوْدُ الْحَيَاةِ إِلَيْهَا بِأَعْيَانِهَا مَرَّةً أُخْرَى، فَهَذَا هُوَ تَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهَا: أَنَّ هَذَا الْإِشْكَالَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْقَدْحِ فِي كَمَالِ عِلْمِ اللَّهِ وَفِي كَمَالِ قُدْرَتِهِ أَمَّا إِذَا سَلَّمْنَا كَوْنَهُ تَعَالَى عَالِمًا بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ فَحِينَئِذٍ هَذِهِ الْأَجْزَاءُ وَإِنِ اخْتَلَطَتْ بِأَجْزَاءِ الْعَالَمِ إِلَّا أَنَّهَا مُتَمَايِزَةٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمَّا سَلَّمْنَا كَوْنَهُ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ كَانَ قَادِرًا عَلَى إِعَادَةِ التَّأْلِيفِ وَالتَّرْكِيبِ وَالْحَيَاةِ وَالْعَقْلِ إِلَى تِلْكَ الْأَجْزَاءِ بِأَعْيَانِهَا، فَثَبَتَ أَنَّا مَتَى سَلَّمْنَا كَمَالَ عِلْمِ اللَّهِ وَكَمَالَ قُدْرَتِهِ زَالَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ بِالْكُلِّيَّةِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً فَالْمَعْنَى أَنَّ الْقَوْمَ اسْتَبْعَدُوا أَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى حَالِ الْحَيَاةِ بَعْدَ أَنْ صَارُوا عِظَامًا وَرُفَاتًا وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ صِفَةً مُنَافِيَةً لِقَبُولِ الْحَيَاةِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لَكِنْ قَدَّرُوا انْتِهَاءَ هَذِهِ الْأَجْسَامِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَى صِفَةٍ أُخْرَى أَشَدَّ مُنَافَاةً لِقَبُولِ الْحَيَاةِ مِنْ كَوْنِهَا عِظَامًا وَرُفَاتًا مِثْلَ أَنْ تَصِيرَ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، فَإِنَّ الْمُنَافَاةَ بَيْنَ الْحَجَرِيَّةِ وَالْحَدِيدِيَّةِ وَبَيْنَ قَبُولِ الْحَيَاةِ أَشَدُّ مِنَ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ الْعَظْمِيَّةِ وَبَيْنَ قَبُولِ الحياة، وذلك أن العظم قد كان جزءا مِنْ بَدَنِ الْحَيِّ أَمَّا الْحِجَارَةُ وَالْحَدِيدُ فَمَا كَانَا الْبَتَّةَ مَوْصُوفَيْنِ بِالْحَيَاةِ، فَبِتَقْدِيرِ أَنْ تَصِيرَ أَبْدَانُ النَّاسِ مَوْصُوفَةً بِصِفَةِ الْحَجَرِيَّةِ وَالْحَدِيدِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعِيدُ الْحَيَاةَ إِلَيْهَا وَيَجْعَلُهَا حَيًّا عَاقِلًا كَمَا كَانَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْأَجْسَامَ قَابِلَةٌ لِلْحَيَاةِ وَالْعَقْلِ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَبُولُ حَاصِلًا لَمَا حَصَلَ الْعَقْلُ وَالْحَيَاةُ لَهَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَإِلَهُ الْعَالَمِ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ فَلَا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ أَجْزَاءُ بَدَنِ زَيْدٍ الْمُطِيعِ بِأَجْزَاءِ بَدَنِ عَمْرٍو الْعَاصِي وَقَادِرٌ عَلَى كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ عَوْدَ الْحَيَاةِ إِلَى تِلْكَ الْأَجْزَاءِ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ وَثَبَتَ أَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ، كَانَ عَوْدُ الْحَيَاةِ إِلَى تِلْكَ الْأَجْزَاءِ مُمْكِنًا قَطْعًا، سَوَاءٌ صَارَتْ عِظَامًا وَرُفَاتًا أَوْ صَارَتْ شَيْئًا أَبْعَدَ مِنَ الْعَظْمِ فِي قَبُولِ الْحَيَاةِ وَهِيَ أَنْ تَصِيرَ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، فَهَذَا تَقْرِيرُ هَذَا الْكَلَامِ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الْقَاطِعِ، وَقَوْلُهُ: كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْأَمْرَ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ لَمَا أَعْجَزْتُمُ اللَّهَ تَعَالَى عَنِ الْإِعَادَةِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِلرَّجُلِ: أَتَطْمَعُ فِيَّ وَأَنَا فُلَانٌ فَيَقُولُ: كُنْ مَنْ شِئْتَ كُنِ ابْنَ الْخَلِيفَةِ، فَسَأَطْلُبُ مِنْكَ حَقِّي.
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَوْ خَلْقاً.
قُلْنَا: الْمُرَادُ أَنَّ كَوْنَ الْحَجَرِ وَالْحَدِيدِ قَابِلًا لِلْحَيَاةِ أَمْرٌ مُسْتَبْعَدٌ، فَقِيلَ لَهُمْ: فَافْرِضُوا شَيْئًا آخَرَ أَبْعَدَ عَنْ قَبُولِ الْحَيَاةِ مِنَ الْحَجَرِ وَالْحَدِيدِ بِحَيْثُ يَسْتَبْعِدُ عَقْلُكُمْ كَوْنَهُ قَابِلًا لِلْحَيَاةِ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى أَنْ يَتَعَيَّنَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ أَبْدَانَ النَّاسِ وَإِنِ انْتَهَتْ بَعْدَ مَوْتِهَا إِلَى أَيِّ صِفَةٍ فُرِضَتْ وَأَيِّ حَالَةٍ قُدِّرَتْ وَإِنْ كَانَتْ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ عَنْ قَبُولِ الْحَيَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِعَادَةِ الْحَيَاةِ إِلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ هَذَا الْمَعْنَى فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَعْيِينِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُرَادُ مِنْهُ الْمَوْتُ، يَعْنِي لَوْ صَارَتْ أَبْدَانُكُمْ نَفْسَ الْمَوْتِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعِيدُ الْحَيَاةَ إِلَيْهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ إِنَّمَا يَحْسُنُ ذِكْرُهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ مِثْلَ أَنْ يُقَالَ:
لَوْ كَنْتَ عَيْنَ الْحَيَاةِ فَاللَّهُ يُمِيتُكُ وَلَوْ كَنْتَ عَيْنَ الْغِنَى فَإِنَّ اللَّهَ يُفْقِرُكَ، فَهَذَا قَدْ ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، أَمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهَذَا مُحَالٌ، لِأَنَّ أَبْدَانَ النَّاسِ أَجْسَامٌ وَالْمَوْتَ عَرَضٌ وَالْجِسْمَ لَا يَنْقَلِبُ عَرَضًا ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَنْقَلِبَ عَرَضًا فَالْمَوْتُ لَا يَقْبَلُ الْحَيَاةَ لِأَنَّ أَحَدَ الضِّدَّيْنِ يَمْتَنِعُ اتِّصَافُهُ بِالضِّدِّ الْآخَرِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ.
ثُمَّ قَالَ: فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُمْ: كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ شَيْئًا أَبْعَدَ فِي قَبُولِ الْحَيَاةِ مِنْ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ فَإِنَّ إِعَادَةَ الْحَيَاةِ إِلَيْهِ مُمْكِنَةٌ فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى إِعَادَةِ الْحَيَاةِ إِلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى قُلْ يَا مُحَمَّدُ: الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَعْنِي أَنَّ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ الْإِعَادَةِ فَرْعٌ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ خَالِقَ الْحَيَوَانَاتِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: إِنَّ تِلْكَ الْأَجْسَامَ قَابِلَةٌ لِلْحَيَاةِ وَالْعَقْلِ وَإِلَهُ الْعَالَمِ قَادِرٌ لِذَاتِهِ عَالِمٌ لِذَاتِهِ فَلَا يَبْطُلُ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ الْبَتَّةَ، فَالْقَادِرُ عَلَى الِابْتِدَاءِ يَجِبُ أَنْ يَبْقَى قَادِرًا عَلَى الْإِعَادَةِ، وَهَذَا كَلَامٌ تَامٌّ وَبُرْهَانٌ قَوِيٌّ.
ثُمَّ قال تعالى: فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ قَالَ الْفَرَّاءُ يُقَالُ: أَنَغَضَ فُلَانٌ رَأْسَهُ يُنْغِضُهُ إِنْغَاضًا إِذَا حَرَّكَهُ إِلَى فَوْقُ وَإِلَى أَسْفَلُ وَسُمِّيَ الظَّلِيمُ نَغْضًا لِأَنَّهُ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ، وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا أُخْبِرَ بِشَيْءٍ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ إِنْكَارًا لَهُ قَدْ أَنْغَضَ رَأْسَهُ فقوله: فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ يَعْنِي يُحَرِّكُونَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ وَالِاسْتِبْعَادِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ فَاسِدٌ لِأَنَّهُمْ حَكَمُوا بِامْتِنَاعِ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ بِنَاءً عَلَى الشُّبْهَةِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ بِالْبُرْهَانِ الْبَاهِرِ كَوْنَهُ مُمْكِنًا فِي نَفْسِهِ، فَقَوْلُهُمْ مَتى هُوَ كَلَامٌ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْبَحْثِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ كَوْنُهُ مُمْكِنَ الْوُجُودِ فِي نَفْسِهِ وَجَبَ الِاعْتِرَافُ بِإِمْكَانِهِ، فَأَمَّا أَنَّهُ مَتَى يُوجَدُ فَذَاكَ لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَقْلِ، بَلْ إِنَّمَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِالدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ فَإِنْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ عُرِفَ/ وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَا يُطْلِعُ أَحَدًا مِنَ الْخَلْقِ عَلَى وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لُقْمَانَ: ٣٤] وَقَالَ: إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي [الْأَعْرَافِ: ١٨٧] وَقَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها [طه: ١٥] فَلَا جَرَمَ قَالَ تَعَالَى: قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً قَالَ الْمُفَسِّرُونَ عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَرِيبٌ.
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي