قلت : أفأمنتم : الهمزة للتوبيخ، والفاء للعطف على محذوف، أي : أنجوتم من البحر فأمنتم.
أفأمِنْتُم أي : أنجوتم من البحر، وأمنتم أن يَخْسف بكم جانبَ البرِّ ؛ بأن يقلبه عليكم وأنتم عليه، أو يخسف بكم في جوفه، كما فعل بقارون، أو يُرسلَ عليكم حاصبًا أي : ريحًا حاصبًا، يرميكم بحصباء كقوم لوط، ثم لا تجدوا لكم وكيلاً ؛ حافظاً لكم منه، فإنه لا رادّ لفعله.
ثم إذا غلب عليكم بحر الحقيقة، وغرقتم في تيار الذات، غاب عنكم كل ما سواه، وطلبتم منه الرجوع إلى بر الشريعة، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم عن شهود السِّوى، وجحدتم وجوده، لكن القلوب بيد الرحمان، يُقلبها كيف شاء ؛ فلا يأمن العارف من المكر، ولو بلغ ما بلغ، ولذلك قال : أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ؛ فتغرقون في الحس، وتشتغلون بعبادة الحس، أو يُرسل عليكم حاصباً : وارداً قَهَّارِيًّا، يُخرجكم عن حد الاعتدال، أم أمنتم أن يُعيدكم في بحر الحقيقة، تارة أخرى، بعد الرجوع للبقاء، فيرسل عليكم واردًا قهاريًا يُخرجكم عن حد الاعتدال، ويحطكم عن ذروة الكمال، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي