ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴ

المعنى الإجمالي :
بعد أن ذكر في الآية السابقة : أنه هو الحافظ الكالئ للعبد المؤمن من غواية إبليس، قفا على ذلك بذكر بعض نعمه تعالى في البر والبحر على الإنسان ؛ فهو الذي يجري له الفلك في البحر ؛ لتنقل له أرزاقه وأقواته من المسافات البعيدة، لكنه مع هذا هو كفور للنعمة، إذا مسه الضر دعا ربه، وإذا أمن أعرض عنه وعبد الأصنام والأوثان، فهل يؤمن أن يخسف به الأرض، أو يرسل عليه حاصبا من الريح في البر، أو قاصفا من الريح في البحر فيغرقه بكفره، وهل نسي أنه فضله على جميع الخلق، وبسط له الرزق، أفلا يفرده بالعبادة ويخبت له كفاء تلك النعم المتتابعة عليه ؟
المفردات :
يخسف : يقلب فيجعل عالي الأرض سافلها.
حاصبا : ريحا حاصبة أي : ترمي بالحصباء وهي الحصا.
أن يعيدكم فيه تارة أخرى : أي : يقوى دواعيكم لركوب البحر مرة أخرى.
قاصفا : يقصف بمعنى : يكسر كل ما مر به.
التبيع : الناصر والمعين، ( حملته على فرس ) : أي : أعطيته إياها ؛ ليركبها.
التفسير :
٦٩، ٦٨- أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجد لكم وكيلا. أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا .
إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة. إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر، فكيف يؤمنون ؟ كيف يؤمنون أن يخسف بهم جانب البر بزلزال أو بركان، أو بغيرهما من الأسباب المسخرة لقدرة الله ؟ ! أو يرسل عليهم عاصفة بركانية تقذفهم بالحمم والماء والطين والأحجار، فتحكهم دون أن يجدوا لهم من دون الله وكيلا يحميهم ويدفع عنهم ؟ !
أم كيف يؤمنون أن يردهم الله إلى البحر فيرسل عليهم ريحا قاصفة، تقصف الصوار وتحطم السفن، فيغرقهم بسبب كفرهم وإعراضهم ؛ فلا يجدون من يطالب بعدهم بتبعة إغراقهم.
ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا. ثم يؤمنوا أخذه وكيده. وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة ثم ينسونه بعد النجاة. كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها الله ! (١).
وقد كرم الله الإنسان على كثير من خلقه ؛ كرمه بخلقته على تلك الهيئة، بهذه الفطرة التي تجمع بين الطين والنفخة، فتجمع بين الأرض والسماء في ذلك الكيان.
وكرمه بالاستعدادات التي أوعدها فطرته، والتي استأهل بها الخلافة في الأرض، يغير فيها يبدل، وينتج فيها وينشئ، ويركب فيها ويحلل، ويبلغ فيها الكمال المقدر للحياة.
وكرمه بتسخير القوى الكونية له في الأرض، وإمداده بعون القوى الكونية في الكواكب والأفلاك.
وكرم بذلك الاستقبال الفخم الذي استقبله به الوجود، وبذلك الموكب الذي تسجد فيه الملائكة، ويعلن فيه الخالق جل شأنه تكريم هذا الإنسان !
وكرمه بإعلان هذا التكريم كله في كتابه المنزل من الملإ الأعلى الباقي في الأرض، وهو القرآن.

١ - في ظلال القرآن بقلم: سيد قطب ١٥/٥٣..

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الله محمود شحاتة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير