ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

فَإِنَّهُ لَمَّا دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَوَجَدَ فِيهَا وَحَوْلَهَا الْأَصْنَامَ جَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْهَا بِقَضِيبٍ وَيَقُولُ: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً فَتَسْقُطُ تِلْكَ الْأَنْصَابُ عَلَى وُجُوهِهَا.
وَمَجِيءُ الْحق مُسْتَعْمل مجَازًا فِي إِدْرَاكِ النَّاسِ إِيَّاهُ وَعَمَلِهِمْ بِهِ وَانْتِصَارِ الْقَائِمِ بِهِ عَلَى مُعَاضِدِيهِ تَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ الظَّاهِرِ بِالشَّيْءِ الَّذِي كَانَ غَايِبَا فَوَرَدَ جَائِيًا.
وزَهَقَ اضمحل بعد وجوده. وَمَصْدَرُهُ الزُّهُوقُ وَالزَّهَقُ. وَزُهُوقُ الْبَاطِلِ مَجَازٌ فِي تَرْكِهِ أَصْحَابَهُ فَكَأَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا بَيْنَهُمْ فَفَارَقَهُمْ. وَالْمَعْنَى: اسْتَقَرَّ وَشَاعَ الْحَقُّ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ النَّبِيءُ وَانْقَضَى الْبَاطِلُ الَّذِي كَانَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهُ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً تَذْيِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ عُمُومٍ يَشْمَلُ كُلَّ بَاطِلٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ. وَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَ الْبَاطِلِ كَانَ الثَّبَاتُ وَالِانْتِصَارُ شَأْنَ الْحَقِّ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْبَاطِلِ فَإِذَا انْتَفَى الْبَاطِلُ ثَبَتَ الْحَقُّ.
وَبِهَذَا كَانَتِ الْجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِجَمِيعِ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَهَا. وَالْمَعْنَى: ظَهَرَ الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَانْقَضَى الْبَاطِلُ فِيهَا، وَذَلِكَ شَأْنُ الْبَاطِلِ فِيمَا مَضَى مِنَ الشَّرَائِعِ أَنَّهُ لَا ثَبَاتَ لَهُ.
وَدَلَّ فِعْلُ كانَ عَلَى أَنَّ الزُّهُوقَ شِنْشِنَةُ الْبَاطِلِ، وَشَأْنُهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ أَنَّهُ يَظْهَرُ ثُمَّ يَضْمَحِلُّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً فِي صَدْرِ سُورَة يُونُس [٢].
[٨٢]
[سُورَة الْإِسْرَاء (١٧) : آيَة ٨٢]
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً (٨٢)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [الْإِسْرَاء: ٨١] عَلَى مَا فِي تِلْكَ الْجُمْلَةِ وَالْجُمَلِ الَّتِي سَبَقَتْهَا مِنْ مَعْنَى التأييد للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنَ

صفحة رقم 188

الْإِغَاظَةِ لِلْمُشْرِكِينَ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الْإِسْرَاء: ٧٣]. فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنِ امْتَنَّ عَلَيْهِ بِأَنْ أَيَّدَهُ بِالْعِصْمَةِ مِنَ الرُّكُونِ إِلَيْهِمْ وَتَبْشِيرِهِ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ وَبِالْخَلَاصِ مِنْ كَيْدِهِمْ، وَبَعْدَ أَنْ هَدَّدَهُمْ بِأَنَّهُمْ صَائِرُونَ قَرِيبًا إِلَى هَلَاكٍ وَأَنَّ دِينَهُمْ صَائِرٌ إِلَى الِاضْمِحْلَالِ، أَعْلَنَ لَهُ وَلَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ مَا مِنْهُ غَيْظُهُمْ وَحَنَقُهُمْ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي طَمِعُوا أَنْ يَسْأَلُوا النَّبِيءَ أَنْ يُبَدِّلَهُ بِقُرْآنٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَصْنَامِهِمْ بِسُوءٍ، أَنَّهُ لَا يَزَالُ مُتَجَدِّدًا مُسْتَمِرًّا، فِيهِ شِفَاءٌ لِلرَّسُولِ وَأَتْبَاعه وخسارة لأعدائه الظَّالِمين، وَلِأَنَّ الْقُرْآنَ مَصْدَرُ الْحَقِّ وَمُدْحِضُ الْبَاطِلِ أَعْقَبَ قَوْلَهُ:
جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [الْإِسْرَاء: ٨١] بِقَوْلِهِ: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ الْآيَةَ. وَلِهَذَا اخْتِيرَ لِلْإِخْبَارِ عَنِ التَّنْزِيلِ الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ الْمُشْتَقُّ مِنْ فِعْلِ الْمُضَاعَفِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّجْدِيدِ وَالتَّكْرِيرِ وَالتَّكْثِيرِ، وَهُوَ وَعْدٌ بِأَنَّهُ يَسْتَمِرُّ هَذَا التَّنْزِيلُ زَمَنًا طَوِيلًا.
وَمَا هُوَ شِفاءٌ مَفْعُولُ نُنَزِّلُ. ومِنَ الْقُرْآنِ بَيَانٌ لِمَا فِي (مَا) مِنَ الْإِبْهَامِ كَالَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الْحَج: ٣٠]، أَيِ الرِّجْسَ الَّذِي هُوَ الْأَوْثَانُ. وَتَقْدِيمُ الْبَيَانِ لِتَحْصِيلِ غَرَضِ الِاهْتِمَامِ بِذِكْرِ الْقُرْآنِ مَعَ غَرَضِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْمَوْصُولِيَّةِ بِقَوْلِهِ: مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ إِلَخْ، لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَمَكُّنِ ذَلِكَ الْوَصْفِ مِنْهُ
بِحَيْثُ يُعْرَفُ بِهِ. وَالْمَعْنَى: نُنَزِّلُ الشِّفَاءَ وَالرَّحْمَةَ وَهُوَ الْقُرْآنُ. وَلَيْسَتْ (مِنْ) لِلتَّبْعِيضِ وَلَا لِلِابْتِدَاءِ.
وَالشِّفَاءُ حَقِيقَتُهُ زَوَالُ الدَّاءِ، وَيُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي زَوَالِ مَا هُوَ نَقْصٌ وَضَلَالٌ وَعَائِقٌ عَنِ النَّفْعِ مِنَ الْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ وَالْأَعْمَالِ الْفَاسِدَةِ وَالْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ تَشْبِيهًا لَهُ بِبُرْءِ السَّقَمِ، كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ:
وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِي وَأَبْرَأَ سُقْمَهَا... قِيلُ الْفَوَارِسِ: وَيْكَ عَنْتَرُ قَدِّمِ
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَزِيدُ خَسَارَةً لِلْكَافِرِينَ، لِأَنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَمَوَاعِظِهِ وَقَصَصِهِ وَأَمْثَالِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، كُلُّ آيَةٍ مِنْ ذَلِكَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى هَدْيِ وَصَلَاحِ حَالٍ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّبِعِينَهُ،

صفحة رقم 189

وَمُشْتَمِلَةٌ بِضِدِّ ذَلِكَ عَلَى مَا يَزِيدُ غَيْظَ الْمُسْتَمِرِّينَ عَلَى الظُّلْمِ، أَيِ الشِّرْكِ، فَيَزْدَادُونَ بِالْغَيْظِ كَرَاهِيَةً لِلْقُرْآنِ فَيَزْدَادُونَ بِذَلِكَ خَسَارًا بِزِيَادَةِ آثَامِهِمْ وَاسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى فَاسِدِ أَخْلَاقِهِمْ وَبُعْدِ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ:
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ [التَّوْبَة: ١٢٤- ١٢٥].
وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَاتٍ يُشْتَفَى بِهَا مِنَ الْأَدْوَاءِ وَالْآلَامِ وَرَدَ تَعْيِينُهَا فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فَشَمِلَتْهَا الْآيَةُ بِطَرِيقَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ. وَهَذَا مِمَّا بَيَّنَّا تَأْصِيلَهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذَا التَّفْسِيرِ.
وَالْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ فِي قِرَاءَةِ آيَاتٍ مُعَيَّنَةٍ لِلِاسْتِشْفَاءِ مِنْ أَدْوَاءٍ مَوْصُوفَةٍ بَلْهُ الِاسْتِعَاذَةِ بِآيَاتٍ مِنْهُ مِنَ الضَّلَالِ كَثِيرَةٍ فِي «صَحِيح البُخَارِيّ» و «جَامع التِّرْمِذِيِّ» وَغَيْرِهِمَا،
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي سِرِّيَّةٍ ثَلَاثِينَ رَاكِبًا فَنَزَلْنَا عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْعَرَبِ فَسَأَلْنَاهُمْ أَنْ يُضَيِّفُونَا فَأَبَوْا فَلُدِغَ سَيِّدُ الْحَيِّ فَأَتَوْنَا، فَقَالُوا: أَفِيكُمْ أَحَدٌ يَرْقِي مِنَ الْعَقْرَبِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ وَلَكِنْ لَا أَفْعَلُ حَتَّى يُعْطُونَا، فَقَالُوا: فَإِنَّا نُعْطِيكُمْ ثَلَاثِينَ شَاةً، قَالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَبَرَأَ»
الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ: «حَتَّى أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَيْءٌ أُلْقِيَ فِي رُوعِي (أَيْ إِلْهَامٌ أَلْهَمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: كُلُوا وَأَطْعِمُونَا مِنَ الْغَنَمِ»
. فَهَذَا تَقْرِيرٌ من النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِحَّةِ إِلْهَامِ أَبِي سَعِيدٍ- رَضِيَ الله عَنهُ-.

صفحة رقم 190

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية