ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

وَنُنَزّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ للْمُؤْمِنِينَ قرأ الجمهور ننزل بالنون. وقرأ أبو عمرو بالتخفيف. وقرأ مجاهد بالياء التحتية والتخفيف، ورواها المروزي عن حفص، و«من » لابتداء الغاية، ويصح أن تكون لبيان الجنس. وقيل : للتبعيض، وأنكره بعض المفسرين لاستلزامه أن بعضه لا شفاء فيه، ورده ابن عطية بأن المبعض هو إنزاله.
واختلف أهل العلم في معنى كونه شفاء على القولين : الأوّل : أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وذهاب الريب وكشف الغطاء عن الأمور الدالة على الله سبحانه. القول الثاني : أنه شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقي والتعوّذ ونحو ذلك، ولا مانع من حمل الشفاء على المعنيين من باب عموم المجاز، أو من باب حمل المشترك على معنييه. ثم ذكر سبحانه أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من العلوم النافعة المشتملة على ما فيه صلاح الدين والدنيا، ولما في تلاوته وتدبره من الأجر العظيم الذي يكون سبباً لرحمة الله سبحانه ومغفرته ورضوانه، ومثل هذه الآية قوله تعالى : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء والذين لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [ فصلت : ٤٤ ]. ثم لما ذكر سبحانه ما في القرآن من المنفعة لعباده المؤمنين، ذكر ما فيه لمن عداهم من المضرّة عليهم فقال : وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا أي : ولا يزيد القرآن كله أو كل بعض منه الظالمين الذي وضعوا التكذيب موضع التصديق، والشك والارتياب موضع اليقين والاطمئنان إَلاَّ خَسَارًا أي : هلاكاً، لأن سماع القرآن يغيظهم ويحنقهم ويدعوهم إلى زيادة ارتكاب القبائح تمرّداً وعناداً، فعند ذلك يهلكون ؛ وقيل : الخسار : النقص كقوله : فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ [ التوبة : ١٢٥ ].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود قال : دلوك الشمس : غروبها، تقول العرب إذا غربت الشمس : دلكت الشمس. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن علي قال : دلوكها : غروبها. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس، قال : لِدُلُوكِ الشمس : لزوال الشمس. وأخرج البزار، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( دلوك الشمس زوالها ) وضعف السيوطي إسناده. وأخرجه مالك في الموطأ، وعبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عمر من قوله. وأخرج عبد الرزاق عنه قال :( دلوك الشمس : زياغها بعد نصف النهار ). وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير عن ابن عباس قال : دلوكها : زوالها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عنه في قوله : لِدُلُوكِ الشمس قال : إذا فاء الفيء. وأخرج ابن جرير عن أبي مسعود وعقبة بن عمرو قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر ) وأخرج ابن جرير عن أبي برزة الأسلمي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلا أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس . وأخرج ابن مردويه من حديث أنس نحوه. ومما يستشهد به على أن الدلوك الزوال وسط النهار ما أخرجه ابن جرير عن جابر قال :( دعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه يطعمون عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( اخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس )، وفي إسناده رجل مجهول ولكنه أخرجه عنه من طريق أخرى عن سهل بن بكار، عن أبي عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنبري، عن جابر فذكر نحوه مرفوعاً. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود في قوله : إلى غسق الليل قال : إلى العشاء الآخرة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : غَسَقِ الليل اجتماع الليل وظلمته. وأخرج ابن جرير عنه قال : غَسَقِ الليل : بدّو الليل. وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال : دلوك الشمس : إذا زالت الشمس عن بطن السماء وغسق الليل : غروب الشمس. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : وقرآن الفجر قال : صلاة الصبح. وأخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا قال :( تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار تجتمع فيها )، وهو في الصحيحين عنه مرفوعاً بلفظ ( تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر )، ثم يقول أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا . وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني عن ابن مسعود موقوفاً نحوه. وأخرج الحكيم الترمذي، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عن أبي الدرداء قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قرآن الفجر كان مشهودا قال :( تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ). وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : نَافِلَةً لَّكَ يعني : خاصة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أمر بقيام الليل وكتب عليه. وأخرج الطبراني في الأوسط، والبيهقي في سننه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ثلاث هنّ عليّ فرائض وهنّ لكم سنّة : الوتر، والسواك، وقيام الليل ) وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي أمامة في قوله : نَافِلَةً لَّكَ قال : كانت للنبي صلى الله عليه وسلم نافلة ولكم فضيلة، وفي لفظ : إنما كانت النافلة خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُودًا وسئل عنه، قال :( هو المقام المحمود الذي أشفع فيه لأمتي ). وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تلّ، ويكسوني ربى حلة خضراء، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود ). وأخرج البخاري وغيره عن ابن عمر قال : إن كل أمة يوم القيامة تتبع نبيها، يقولون : يا فلان، اشفع، يا فلان، اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله مقاماً محموداً. وأخرج عنه نحوه مرفوعاً، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدّاً ثابتة في الصحيحين وغيرهما فلا نطيل بذكرها، ومن رام الاستيفاء نظر في أحاديث الشفاعة في الأمهات وغيرها. وأخرج الطبراني في قوله : عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُودًا قال : يجلسه فيما بينه وبين جبريل ويشفع لأمته، فذلك المقام المحمود. وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ، قال : يجلسني معه على السرير ) وينبغي الكشف عن إسناد هذين الحديثين. وأخرج أحمد، والترمذي، وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله وَقُل رَبّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مخْرَجَ صِدْقٍ واجعل لّي مِن لدُنكَ سلطانا نَصِيرًا . وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن قتادة في قوله : وَقُل ربّ أَدْخِلْنِي الآية، قال : أخرجه الله من مكة مخرج صدق، وأدخله المدينة مدخل صدق. قال : وعلم نبيّ الله أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلاّ بسلطان فسأل سلطاناً نصيراً لكتاب الله وحدوده وفرائضه ولإقامة كتاب الله، فإن السلطان عزة من الله جعلها بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، وأكل شديدهم ضعيفهم. وأخرج الخطيب عن عمر بن الخطاب قال : والله لما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال :( دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول : جَاء الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا و جَاء الحق وَمَا يُبْدِئ الباطل وَمَا يُعِيدُ [ سبأ : ٤٩ ]. وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : وَنَأَى بِجَانِبِهِ قال : تباعد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : كَانَ يَؤوساً قال : قنوطاً، وفي قوله : كُل يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ قال : على ناحيته. وأخرج هناد، وابن المنذر عن الحسن قال : على شاكلته : على نيته. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال :( كنت أمشي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في خرب المدينة وهو متكئ على عسيب، فمرّ بقوم من اليهود فقال بعضهم لبعض : اسألوه عن الروح، فقال بعضهم : لا تسألوه، فقالوا : يا محمد، ما الروح ؟ فما زال متكئاً على العسيب، فظننت أنه يوحى إليه، فقال : وَيَسْألُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَا أُوتِيتُم من العلم إِلاَّ قَلِيلاً ). وأخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن المنذر، وابن حبان، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس قال : قالت قريش لليهود : أعطونا شيئاً نسأل هذا الرجل، قالوا : سلوه عن الروح، فنزلت وَيَسْألُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَا أُوتِيتُم من العلم إِلاَّ قَلِيلاً قالوا : أوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فأنزل الله قُل لوْ كَانَ البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً [ الكهف : ١٠٩ ]. وفي الباب أحاديث وآثار.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية