القرآن شفاء و رحمة
" وننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين، و لا يزيد الظالمين إلا خسارا ".
سورة الإسراء الآية ٨٣
تمهيد :
وجه الارتباط
لما جاء في الآية السابقة الإخبار بمجيء الحق، و في مجيئه صحة الأرواح و الأبدان والأحوال. و بزهوق الباطل، وفي ذهابه ذهاب العلل والأمراض، و الرحمة ؛ تنبيها على أنه هو الشافي من أمراض الباطل وعلله، وأنه هو مصدر الحق و حجة ناصره، ومحصل الرحمة لأتباعه و المتمسكين به.
المفردات و التراكيب
( من لابتداء الغاية، أو للتبعيض، لأنه نزل مبعضا، فكل بعض نزل منه شفاء ورحمة.
( الشفاء ) البرء من المرض : مرض الأبدان، أو مرض النفوس.
( الرحمة ) النعمة.
( الظلم ) وضع الشيء في غير محله : كوضع الكفر موضع الإيمان.
( الخسار ) النقص والضياع، يكون في الأموال يقال : خسر ماله إذا ضيعه. و يكون في النفوس، فيقال خسر نفسه إذا ضيعها ولم يستعملها فيما خلقت له من الطاعة والكمال. ويكون في اليد فيقال : خسر دينه إذا ضيعه و لم يعمل به ؛ فخاسر القرآن من ضيعه و لم يؤمن به.
البلاغة :
قرنت جملة ننزل بالواو مع أن ما قبلها إنشائية، و ذلك على وجهين :
الأول : أن تكون معطوفة على جاء الحق، أي وقل : ننزل. فعطفت الخبرية على الخبرية التي لها محل، و هو المفعولية بالقول.
الثاني : أن تكون ( الواو ) للاستئناف : وهي في الحقيقة صلة في الكلام لتقويته، وقرنت جملة لا يزيد بالواو ؛ لأنها معطوفة على جملة الصلة.
و عبر بالمضارع في ( ننزل ويزيد ) : قصد المعنى التجدد ؛ لأن الآيات كانت تنزل شيئا فشيئا.
و تنكير شفاء و رحمة للتعظيم. ١
سر تقديم الشفاء على الرحمة :
و قدم ( الشفاء )، لأنه برء من النقص، على ( الرحمة )، لأنها حصول الكمال، تقديم التحلية، و آيات القرآن سبب في حصول الشفاء، فجعلت هي شفاء على طرق المبالغة تنبيها على تحقق حصوله بها.
المعنى :
و ننزل عليك يا محمد – بحسب الوقائع والمناسبات- آيات من القرآن العظيم، هي شفاء يستشفى بها المؤمنون، ونعمة عظيمة أنعمنا بها عليهم.
يؤمنون بها ويحلون حلالها، و يحرمون حرامها، و يعلمون بما فيه فينالون سعادة الدنيا و الآخرة.
أما الكافرون الظالمون الذين قابلوا بالكفر ما يجب أن يقابل بالإيمان، و قابلوا بالرد ما يجب أن يقابل بالقبول، فإن نزول تلك الآيات يكون سببا في زيادة خسارهم، وضياع الخير عليهم، إذ كل آية من تلك الآيات كانت كافية في شفائهم لو استشفوا بها، ونزول الرحمة عليهم لو اهتدوا بها إلى الإسلام.
لكنهم يقابلون كل آية بالكفر والجحود، فيخسرون في كل مرة كنزا عظيما. وهكذا يزداد خسارهم بقدر كفرهم المتجدد بنزول الآيات.
تنظير :
شفاء القرآن :
وصف الله تعالى القرآن بأنه شفاء في مواضع من كتابه منها هذه، و منها قوله تعالى :
" يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم، وشفاء لما في الصدور، وهدى و رحمة للمؤمنين. ٢ومنها في قوله : هو للذين آمنوا شفاء، والذين لا يؤمنون في آذنهم وقر، وهو عليهم عمى٣. "
و أفادت الآيات كلها أنه شفاء لأهل الإيمان، الذين يؤمنون دون غيرهم، فإنهم بإعراضهم عنه كانوا من الخاسرين.
شفاء المخلصين :
و جاءت آية يونس بتقييد الشفاء بها في الصدور الذي هو مستقر العقائد، لأن ذلك هو المقصود الأول، من هداية القرآن، و أصل لغيره، فإنه إذا شفيت الصدور من عقائد السوء، ونزاعات الشكوك، واعتقدت الحق، وارتبطت على اليقين.. زكت النفوس واستقام سلوك الإنسان فرده و جماعاته، ورقى درجات الكمال.
فلا ينافي ذلك أن القرآن، شفاء أيضا للنفوس من سيء الأخلاق كما هو مقتضى الإطلاق في آية الإسراء هذه، و آية السجدة، لأن الأخلاق ناشئة عن العقائد، ولازمة لها، ولأنهما كليهما٤ لا تكمل النفس الإنسانية إلا بالشفاء فيهما. ولا ينافي أيضا حصول الشفاء للأبدان بالقرآن في بعض الأحوال كما هو مقتضى الإطلاق أيضا، ومقتضى ما سيأتي من الآثار. و إن كان هذا ليس هو المقصود بالقصد الأول من شفاء القرآن.
تقسيم :
الأمراض الإنسانية قسمان :
أمراض أرواح و أمراض أبدان، وكلاهما أنواع.
و أمراض الأرواح المقصودة بالذات هنا ترجع إلى نوعين :
شفاء العقول والنفوس :
الأول مرض العقول : بجمود النظر، وفساد الإدراك، و تقليد الآباء، واعتقاد الباطل، والشك في الحق.
و الثاني مرض النفوس : بفساد الأخلاق، وانحطاط الصفات. أما الأعمال فهي تابعة لهما فتصلح بصلاحهما و تفسد بفسادهما.
و القرآن قد جاء داعيا إلى النظر، والتفكر، والاعتبار، والتدبير، مبينا بما ساق من حجج الله وحجج رسله الطريق الأقوم في الادراك الصحيح، والسبيل الاسد في الفهم والتفهيم، ناعيا على المقلدين تقليدهم، كاشفا لأهل الباطل عن باطلهم، ذاكرا من قواطع البراهين البينة الواضحة، ما لا يبقى معه خفاء في الحق و لا ريب.
وجاء أيضا مبينا للأخلاق الفاسدة، و ذاكرا سوء أثرها و قبح مغبتها، مبينا كذلك الأخلاق الصحيحة وعظيم نفعها، وحسن عاقبتها. فهذا شفاؤه للنفوس والعقول. وهو راجع إلى تصحيح العقائد و تقويم الأخلاق وبهما سلامة الأرواح و كمالها، وعليهما قوام الهيئة الاجتماعية وانتظامها.
على أن القرآن هو شفاء للاجتماع البشري، كما هو شقاء لأفراده : فقد شرع من أصول العدل، و قواعد العمران، ونظم التعامل، وسياسة الناس، ما فيه العلاج الكافي، والدواء الشافي لأمراض المجتمع الإنساني من جميع أمراضه وعلله.
شفاء العقائد والأخلاق :
شفاء القرآن والسنة :
شفاء العقائد و الأخلاق أساس الأعمال و المجتمع. هذه الأمراض لا تكاد تخلوا آيات القرآن من معالجتها، وبيان ما هو شفاء لها. ولا شفاء لها إلا بالقرآن، والبيان النبوي راجع إلى القرآن. و من طلب شفاءها في غير القرآن فإنه لا يزيدها إلا مرضا.
أمثلة :
فهذه الأمم الغربية بسجونها، ومشانقها، ومحاكمها، و قوتها، قد امتلأت بالجنايات و الفظائع المنكرة التي تقشعر منها الأبدان.
وهذه الممالك الإسلامية التي تقيم الحدود القرآنية كالمملكة الحجازية، والمملكة اليمانية، قد ضرب الأمن رواقه عليهما، واستقرت السكينة فيهما دون سجون و لا مشانق، مثل أولئك ؛ و ما ذلك إلا لأنهم داووا الملك بدواء القرآن فكان الشفاء التام.
شفاء الأبدان :
الداء والدواء :
و أما الأمراض البدنية، فقد قال – صلى الله عليه و آله وسلم - :" ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء " رواه البخاري من طريق أبي هريرة.
وقال :" لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله تعالى ".
رواه مسلم من طريق جابر.
و ثبت عنه٥ أنه داوى و تداوى و روى الأئمة من ذلك الكثير الطيب، في كتاب الطب من صحيح البخاري وغيره.
وثبت عنه – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه استشفى و استرقى ببعض آيات القرآن العظيم، وأقر على ذلك من فعله من أصحابه.
روى البخاري من طريق يونس عن ابن شهاب عن ابن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :
" كان رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – إذا آوى إلى فراشه نفث في كفيه، بقل هو الله احد/ وبالمعوذتين جمعا، ثم يمسح بهما وجهه، و ما بلغت يداه من جسده. ( قالت عائشة ) : فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به. قال يونس : كنت أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا أتى إلى فراشه ".
الرقية :
و روى الشيخان، واللفظ للبخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال :
" انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه و آله وسلم في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء.
فقال بعضهم : لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم، فقالوا يا أيها الرهط : إن سيدنا لدغ، و سعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء ؟ فقال بعضهم : نعم والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فأنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا٦. فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ الحمد لله رب العالمين ؛ فكأنما نشط من عقال٧. فانطلق يمشي وما به قلبه٨قال : فأوفهم جعلهم الذي صالحوهم عليه.
فقال بعضهم : اقسموا. فقال الذي رقى : لا تفعلوا حتى نأتي النبي – صلى الله عليه و آله وسلم – فنذكر له الذي كان، فننتظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم، فذكروا له. فقال : وما يدريك٩ أنها رقية ؟ !. ثم قال : قد أصبتم ؛ أقسموا و اضربوا لي معكم سهما، فضحك رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم.
فثبت بهذين الحديثين : أن في القرآن شفاء للأبدان. ١٠
وحصل عندنا من جميع ما تقدم أنه شفاء للأرواح و الأبدان للأفراد و المجتمع.
شفاء عام :
مداواة الأبدان، بالطب والقرآن :
ثبت عنه صلى الله عليه و آله وسلم الأمر بالتداوي قولا وعملا.
وثبت عنه الاستشفاء بالقرآن و لا منافاة بينهما، فإن الإنسان مركب من روح من عالم النور، و جسم من عالم المادة المركبة.
فمن الحكمة الإلهية أن شرع الله لنا عند الأمراض على لسان رسول الله -صلى الله عليه و آله وسلم – الجمع بين الأدوية المادية، التي هي المناسبة للبدن، و الآيات القرآنية التي هي المناسبة للروح، مع ما في الأدوية القرآنية من اطمئنان القلب بالله، وقوته به، وانتعاشه بذكره، وفي ذلك من تقوية للروح ونعيمها ما يهون عليها ألم المرض، و يشفيها بإذن الله تعالى عليه.
و مثل الآيات القرآنية في ذلك، كل ما ثبت في السنة من الرقي النبوية المأثورة.
تحذير :
تفريط و إفراط :
فرط قوم : فأهملوا الاستشفاء بالذكر المأثور، واقتصروا على الدواء المادي، فحرموا أنفسهم من خير كثير، إذا لم يكونوا له كالمنكرين.
و أفرط آخرون : فأهملوا الدواء المادي، وزهدوا الناس قيه وتزيدوا في جانب المأثور، حتى خرجوا عنه واتخذوا لهم من ذلك حرفة وموردا للمعاش١١. ونسوا أنواع أشفية القرآن الروحية ولاجتماعية، التي هي المقصود بالمقام الأول من تنزيله١٢ مقصرين على الوجه الذي وجد منه سبيلا إلى الاسترزاق على ما أحدثوا فيه وما ابتدعوا، فعكسوا الأمر، وخالفوا السنة، ووقعوا في المحظور من عدة وجوه.
وهذان الطرفان مذمومان.
والعدل، هو الوسط الذي لا يهمل هذا ولا ذاك و يقف في الوارد عندما ورد ويتناوله على ما ورد.
تطبيق :
نزول الآيات في الكافرين، لايمنع من تطبيقها على من شاركهم في مثل الحال الذي أنكرته عليهم من المؤمنين، لأن الوصف المذموم مذموم، سواء أكان المتصف به مؤمنا أم كان كافرا.
فالذين تتلى عليهم الآيات القرآنية، و الأحاديث النبوية، وتوضح لهم الدلائل الشرعية، وهم لها معرضون، وعن تدبرها غافلون، وبها يتهاونون يزدادون بكل مرة إنما بإعراضهم وغفلتهم وتهاونهم، فيخسرون بقدر ما يفوتهم من الهداية على حسب حالتهم، وإذا لم يكن كخسار الكافرين، فهو كخسار المعرضين، الغافلين المتهاونين، وكفى به خسارا يتنزه عنه المؤمنون ويأباه الكافرون.
سلوك :
نتناول القرآن العظيم دواء من عند ربنا :
شفاء لأمراض عقولنا و أمراض نفوسنا، و أمراض مجتمعنا، فنتطلب ذلك منه ؛ بتدبير آياته و تفهم إشاراته، ووجوه دل
٢ سورة يونس عليه السلام الآية ٥٧.
.
٣ سورة فصلت الآية ٤٤..
٤ العقائد والأخلاق..
٥ عن النبي صلى الله عليه و آله وسلم..
٦ أجرا..
٧ حبل يشد به ذراع البهيمة. أي كأنما حل منه وانطلق..
٨ بحركات أي علة..
٩ تعجب من وقوفه على أنها رقية و إصابته في ذلك..
١٠ و للأثر النفسي فعل السحر في النفوس، فكم من مريض ساعده على الشفاء دعوات صالحات و تبشير بعاجل الشفاء، و تطمين بحسن العاقبة، وبشاشة الطبيب و سماع آيات بينات.
١١ و كثير منهم يعد عنده الاحجبة والتمائم، ويصنفها على حسب الأمراض والعلل، وفي هذا وهم كبير وإثم أكبر..
١٢ في أنه نظام دين ودنيا، وهاد للتي هي أقوم..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي