كما روى عكرمة، عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - " أنَّ رؤساء أهل مكَّة، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوسٌ عند الكعبة، فقالوا : يا محمد، إنَّ أرض مكَّة ضيقةٌ، فسير جبالها ؛ لننتفع فيها، وفجِّر لنا ينبوعاً، أي : نهراً، وعيوناً نزرع فيها، فقال :" لا أقدر عليه ".
فقال قائلٌ منهم : أو يكون لك جنّة من نخيل وعنبٍ فتفجّر الأنهار خلالها تفجيراً، فقال :" لا أقْدرُ عَليْهِ " فقيل : أو يكون لك بيتٌ من زخرفٍ، أي : من ذهبٍ، فيُغْنِيكَ عَنَّا، فقال :" لا أقدِرُ عَليْهِ " فقيل له : أما تَسْتطِيعُ أن تَأتي قوْمكَ بِمَا يسْألُونكَ ؟ فقال : لا أسْتطِيعُ، فقالوا : فإذا كنت لا تَسْتطِيعُ الخير، فاسْتطعِ الشَّر، فأرسل السَّماء ؛ كما زَعمْتَ، عَليْنَا كِسَفاً " ٢.
قرأ العامة " تُسْقِطَ " بإسناد الفعل للمخاطب، و " السَّماء " مفعول بها، ومجاهد٣ على إسناده إلى " السَّماء " فرفعها به.
وقرأ٤ نافع، و ابن عامرٍ، وعاصم " كِسَفاً " هنا، بفتح السِّين، وفعل ذلك حفصٌ في الشعراء [ الآية : ١٨٧ ] وفي سبأ [ الآية : ٩ ]، والباقون يسكنونها في المواضع الثلاثة، وقرأ ابن ذكوان بسكونها في الروم٥ [ الآية : ٤٨ ] ؛ بلا خلافٍ، وهشام عنه الوجهان، والباقون بفتحها.
فمن فتح السين، جعله جمع كسفةٍ ؛ نحو : قِطعَةٍ وقِطَع، وكِسْرةٍ وكِسرٍ، ومن سكَّن، جعله جمع كسفة أيضاً على حدِّ : سِدْرةٍ وسِدْرٍ، وقِمْحَةٍ وقِمَحٍ.
وجوَّز أبو البقاء٦ فيه وجهين آخرين :
أحدهما : أنه جمعٌ على " فَعَلٍ " بفتح العين، وإنما سكِّن تخفيفاً، وهذا لا يجوز ؛ لأنَّ الفتحة خفيفة يحتملها حرف العلة، حيث يقدر فيه غيرها، فكيف بالحرف الصحيح ؟.
قال : والثاني : أنه " فَعْلٌ " بمعنى " مَفْعُولٍ " ؛ ك " الطحْن " بمعنى " مَطْحُون " ؛ فصار في السكون ثلاثة أوجهٍ.
وأصل الكسفِ : القطع، يقال : كسَفْتُ الثَّوبَ قطعته ؛ وفي الحديث في قصَّة سليمان مع الصَّافناتِ الجياد : أنه " كَسَفَ عَراقِيبهَا "، أي : قطعها.
فصل في معنى الكسف
قال اللَّيثُ : الكسف : قطع العرقوب، قال الفرَّاء : وسمعتُ أعرابيًّا يقول لبزَّاز : أعطني كسفةً، وقال الزجاج٧ :" كَسفَ الشيء بمعنى غَطَّاهُ "، قيل : ولا يعرفُ هذا لغيره.
وانتصابه على الحال في القراءتين فإن جعلناه جمعاً، كان على حذفِ مضاف، أي : ذات كسفٍ، وإن جعلناه " فِعْلاً " بمعنى " مَفعُول " لم يحتج إلى تقدير، وحينئذ : فإن قيل لِمَ لمْ يُؤنَّث ؟ فالجواب : لأنَّ تأنيثه أعني : السَّماء غير حقيقيٍّ، أو بأنها في معنى السَّقف.
قوله :" كَمَا زعَمْتَ " : نعت لمصدر محذوف، أي : إسقاطاً مثل مزعومك ؛ كذا قدَّره أبو البقاء٨.
فصل في المراد بالآية
قال عكرمة : كَمَا زَعَمْتَ ، يا محمد : أنَّك نبيٌّ، " فأسْقِط " السماء علينا كسفاً.
وقيل : كما زعمت أن ربَّك إن شاء فعل، وقيل : المراد قوله : أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً [ الإسراء : ٦٨ ].
فقيل : اجعل السَّماء قطعاً متفرقة ؛ كالحاصب، وأسقطها علينا.
قوله : أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً .
القَبِيلُ : بمعنى : المقابل ؛ كالعشير، بمعنى : المُعاشِر.
وقال ابن عباس٩ : فوجاً بعد فوجٍ. وقال الليث : كلُّ جندٍ من الجنِّ والإنسِ قبيلٌ، وقيل : كفيلاً، أي ضامناً.
قال الزجاج : يقال : قبلتُ به أقبل ؛ كما يقال : كفلت به أكفل، وعلى هذا : فهو واحدٌ أريد به الجمعُ ؛ كقوله : وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً [ النساء : ٦٩ ]، وقال أبو عليِّ : معناه المعاينة ؛ كقوله تعالى : لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الملائكة أَوْ نرى رَبَّنَا [ الفرقان : ٢١ ].
قوله :" قَبِيلاً " [ حالٌ من " الله، والمَلائِكَةِ " أو من أحدهما، والآخر محذوفة حاله، أي : بالله قبيلاً، والملائكة قبيلاً ؛ ] كقوله :[ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . كُنْتُ مِنهُ ووالِدي *** بَرِيئاً. . . . . . . . . . . . . . . ١٠
وكقوله :[ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** فَإنِّي وقيَّارٌ بِهَا لغَرِيبُ١١
ذكره الزمخشريُّ، هذا إذا جعلنا " قَبِيلاً " بمعنى كفيلاً، أي :" ضَامِناً " أو بمعنى " معاينة " كما قاله الفارسي، وإن جعلناه بمعنى " جَماعَة " كان حالاً من " المَلائِكَة ".
وقرأ الأعرج١٢ " قِبَلاً " من المقابلة.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود