٨٠٧- الاستثناء مفرغ لوقوعه بين الفعل المقدم والفاعل المؤخر، وهو قوله تعالى : أن قالوا ، فإنه الفاعل.
وفيه أسئلة، وهي أن يقال : ما المستثنى منه ؟ وما وجه هذا الحصر في هذا المانع، فإن عوائدهم الفاسدة وقرناءهم وغير ذلك هي أيضا موانع، فكيف يصح الحصر مع عدم الحصر ؟ وكيف الجمع بينه وبين قوله تعالى في سورة الكهف : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا ١، فإنه تعالى حصر المانع في الآية الأولى فيقتضي أن غيره غير مانع، وهذه الآية حصره في مانع آخر يقتضي أن الأول غير مانع. فكل آية تمنع المانع الذي في غيرها أن يكون مانعا، فيحتاج للجمع بينهما. وهذا السؤال تداوله مجموعة من الفضلاء، وعسر الجواب على كثير منهم. وفي آية " سبحان " ٢ سؤال آخر يخصها، وهو أنهم لم يقصدوا ما ذكر مانعا فكيف يجعل مانعا ؟
والجواب : أما المستثنى منه فهو الفاعلون، جميع الفاعلين الذي يتوهم أنهم يمنعون منفيون إلا ما ذكر فهو مستثنى من الفاعل في اللفظ والمعنى.
وأما وجه الحصر فلا شك أن الموانع كثيرة غير هذا القول، وأعظمها قضاء الله وقدره، ومنها عادة الآباء وما نشئوا عليه، وغير ذلك من الموانع.
غير أنه قد تقدم أن الحصر تارة يكون مطلقا لا يعرج فيه على اعتبار معين، وتارة يكون ليس مطلقا، بل يلاحظ فيه اعتبار معين يقع الحصر باعتباره كما تقدم في قوله تعالى : إن أنا إلا نذير وبشير ، وقوله عليه السلام : " إنما أنا بشر "، وقد تقدم بسطه٣.
كذلك هاهنا، ليس الحصر ثابتا على وجه الإطلاق، بل بحسب اعتبار معين، وهو حال الرسول المبعوث إليهم، فإنهم قالوا : " كان ينبغي أن يكون الرسول من الملائكة "، كقولهم : لولا تأتينا الملائكة أو نرى ربنا ٤، وذلك في غير ما موضع من كتاب الله تعالى. فكون الرسول صلى الله عليه وسلم رجلا من أحدهم هذا القدر جعلوه مانعا.
وكذلك احتج الله عليهم في غير ما موضع، كقوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ٥ أي : لا ملائكة، ليقرر عليهم أنها عادة الله في إرساله لبني آدم.
فالموانع إذا اعتبرت من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمنعهم منها إلا كونه بشرا. وينبغي أن يحمل هذا على بعض أحوالهم، فإنهم كانوا في بعض الأوقات يعللون المنع بغير هذا، كقولهم : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ٦، فمنهم كونه ليس من الملوك والرؤساء المتمولين. بل هذا المانع مخصوص ببعض أحوالهم، فيصير معنى الآية : " لا مانع لهم من صفات رسولهم في هذه الحالة التي توجهوا فيها لهذا القصد إلا كونه بشرا ". فهو حصر بسبب بعض الاعتبارات لا مطلقا في نفس الأمر. فهو حصر صحيح.
وأما وجه الجمع بين الآيتين، فكان الشيخ الإمام شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام يورد هذا السؤال ويجيب عنه بأن المانع في هذه الآية هو باعتبار قصدهم وما في نفوسهم. فهم امتنعوا لأجل هذا المانع، وهم يعتقدونه مانعا.
وأما آية الكهف فلم يمتنعوا لفرض إتيان العذاب ولا اعتقدوه قط، بل يعتقدون أنهم مصيبون وأنهم لا يأتيهم عذاب أصلا. بل معنى الآية : الأمر بالتأسف عليهم والبينة على سوء حالهم، كما تقول : " ما نام زيد في هذه البرية إلا ليأكله الأسد "، أي : " أمره آيل لذلك وإن لم يقصده ". لذلك هؤلاء ما امتنعوا من الإيمان إلا ليكونوا من الأشقياء المعذبين في الدار الآخرة، أو ليعاجلهم ما عادته يأتي الأولين من العذاب والهلاك. فهو مانع محصور فيه باعتبار ما يؤول إليه حالهم. وآية " سبحان " مانع باعتبار ما في صدورهم.
فهذا وجه الجمع، وثبت الحصر في الآيتين ولم تبطل إحداهما الأخرى، واتضح معنى الآيتين. وينبغي أن يعلم أن القول في نفسه ليس مرادا، وإنما عبر بالقول عن المقول كما جرت عادة العرب بالتعبير عن المفعول أو الفاعل بالمصدر، كقوله تعالى : فإذا جاء وعد الآخرة ٧، أي : موعودها. ولا يحيطون بشيء من علمه ٨، أي : من معلومه. وهو كثير.
كذلك هاهنا أن يقولوا مع الفعل بتأويل المصدر، والمصدر عبر به عن المقول. فاعلم ذلك وإلا فالقول نفسه ليس مانعا البتة. ( الاستغناء : ٢٢١ إلى ٢٢٣ ).
٢ - يقصد الآية ٩٤ من سورة الإسراء..
٣ - ن: ما قاله في تفسير الآية ١٨٨ من سورة الأعراف في هذه الرسالة..
٤ - يقصد قوله تعالى على لسان الكفار: ﴿لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا﴾ الفرقان: ٢١..
٥ - سورة النحل: ٤٣..
٦ - سورة الزخرف: ٣١..
٧ - سورة الإسراء: ٤..
٨ - سورة البقرة: ٢٥٥..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي