ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ

المعنى الجملي : بعد أن أقام سبحانه الدليل على إعجاز القرآن ولزمتهم الحجة وغلبوا على أمرهم – أخذوا يراوغون ويقترحون الآيات، ويتعثرون في أذيال الحيرة، فطلبوا آية من آيات ست، فإن جاءهم بآية منها، آمنوا به، وصدقوا برسالته.
روي عن ابن عباس أن أشراف مكة أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهم جلوس عند الكعبة، فأتاهم فقالوا : يا محمد إن أرض مكة ضيّقة، فسير جبالها لننتفع بأرضها، وفجر لنا فيها نهرا وعيونا نزرع فيها، فقال :" لا أقدر عليه "، فقال قائل : أو يكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ؟ فقال :" لا أقدر عليه "، فقيل : أو يكون لك بيت من زخرف ( ذهب ) فيغنيك عنا ؟ فقال :" لا أقدر عليه "، فقيل له : أما تستطيع أن تأتي قومك بما يسألونك ؟ فقال :" لا أستطيع "، قالوا : إن كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر، فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفا بالعذاب، فقال عبد الله بن أمية المخزومي وأمه عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا والذي يحلف به، لا أومن بك حتى تشدّ سلما فتصعد فيه ونحن ننظر إليك، فتأتي بأربعة من الملائكة، يشهدون لك بالرسالة، ثم بعد ذلك لا أدري أنؤمن بك أم لا ؟
فأمره الله بأن يرد عليهم بأن اقتراح الآيات ليس من وظيفة الرسل، وإنما وظيفتهم البلاغ للناس.
ثم حكى عنهم شبهة أخرى وهي استبعادهم أن يرسل الله بشرا رسولا، فأجابهم بأن أهل الأرض لو كانوا ملائكة لوجب أن تكون رسلهم من الملائكة، لأن الجنس أميل إلى جنسه.
ثم سلّى رسوله صلى الله عليه وسلم على ما يلاقي من قومه، بأن الهداية والإيمان بيد الله ولا قدرة له على شيء من ذلك، ومن يضلل الله فلا هادي له، وسيلقون جزاءهم نار جهنم بما كسبت أيديهم ودسّوا به أنفسهم من الكفر والفجور والمعاصي، وإنكار البعث والحساب، وهم يعلمون أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يعيدهم مرة أخرى، ثم بين أنه لو أجابهم إلى ما طلبوا من إجراء الأنهار والعيون وتكثير الأموال واتساع المعيشة لما كان هناك من فائدة، ولما أوصلوا النفع إلى أحد فالإنسان بطبعه شحيح كزّ بخيل.
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا أي وما منع مشركي قريش وهم من حكيت أباطيلهم – من الإيمان بك حين مجيء الوحي المقرون بالمعجزات التي تستدعي الإيمان بنبوتك وبما نزل عليك من الكتاب إلا قولهم : أبعث الله بشرا رسولا، إنكارا منهم أن يكون الرسول من جنس البشر، واعتقادا منهم بأن الله لو بعث رسولا إلى الخلق لوجب أن يكون من الملائكة.
ونحو الآية قوله : أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس [ يونس : ٢ ] وقوله : ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا [ التغابن : ٦ ] الآية. وقال فرعون وملؤه : أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون [ المؤمنون : ٤٧ ] وكذلك قالت الأمم لرسلهم : إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا [ إبراهيم : ١٠ ].
فأجابهم الله عن هذه الشبهة ذاكرا وجه الحق منبّها إلى المصلحة بقوله :

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير