إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً . وإنَّما قال ذلك ؛ لأنَّه علم أنَّه يرى معه أموراً كثيرة منكرة، بحسب الظاهر، ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات، ثمَّ بيَّن عذره في ترك الصَّبر، فقال : وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ، أي : علماً.
واعلم أنَّ المتعلِّم على قسمين : متعلِّم ليس عنده شيءٌ من المعلوم، ولم يمارس الاستدلال، ولم يتعوَّد التقرير، و الاعتراض، ومتعلِّم حصَّل العلوم الكثيرة، ومارس الاستدلال والاعتراض، ثم إنَّه يريد أن يخالط إنساناً أكمل منه ؛ ليبلغ درجة الكمال، فالتعلم في حقِّ هذا القسم الثاني شاقٌّ شديدٌ ؛ لأنه إذا رأى شيئاً، أو سمع كلاماً، فربَّما يكون ذلك منكراً بحسب الظاهر، إلاَّ أنه في الحقيقة صوابٌ حقٌّ، فهذا المتعلم لأجل أنه ألف الكلام والجدال، يغترُّ بظاهره، ولأجل عدم كماله، لا يقف على سرِّه وحقيقته، فيقدم على النِّزاع، والاعتراض، والمجادلة، وذلك مما يثقل سماعه على [ الأستاذ ]١٣ المتبحِّر، فإذا اتَّفق مثل هذه الواقعة مرتين أو ثلاثة، حصلت النُّفرة التامَّة والكراهة الشديدة العظيمة، وإلى هذا، أشار الخضر بقوله : إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً أي أنَّه ألف الإثبات والإبطال، والاستدلال والاعتراض.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود