قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أي : فقال لها الملك مجيبًا لها عما سألت : إن الله قد قال : إنه سيوجد منك غلامًا، وإن لم يكن لك بعل ولا توجد١ منك فاحشة، فإنه على ما يشاء قادر٢ ؛ ولهذا قال : وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ أي : دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوع٣ في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى، إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه.
وقوله : وَرَحْمَةً مِنَّا أي ونجعل٤ هذا الغلام رحمة من الله نبيًّا من الأنبياء يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى : إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [ آل عمران : ٤٥، ٤٦ ] أي : يدعو إلى عبادة الله ربه في مهده٥ وكهولته.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحيم بن إبراهيم - دُحَيْم - حدثنا مروان، حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي، عن مجاهد قال : قالت مريم، عليها السلام : كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر.
وقوله : وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا يحتمل أن هذا من كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدره ومشيئته. ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه كنى بهذا عن النفخ في فرجها، كما قال تعالى : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا [ التحريم : ١٢ ] وقال وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا [ الأنبياء : ٩١ ]
قال محمد بن إسحاق : وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا أي : أن الله قد عزم على هذا، فليس منه بد، واختار هذا أيضًا ابن جرير في تفسيره، ولم يحك غيره، والله أعلم.
٢ في أ: "قدير"..
٣ في ت، ف، أ: "تنوع"..
٤ في ت، ف، أ: "ويجعل"..
٥ في ت، أ: "المهد"..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة