ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

ولنجعله آية للناس علامة ودلالة على قدرتنا. ورحمة لمن يؤمن به. مقضيا مقدرا، وواقعا لابد منه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الحكيم العليم ـ جل علاه ـ يقص علينا من أنباء زكريا ويحيى، ثم من أنباء مريم وعيسى ـ عليهم السلام ـ فإن القصتين مناسبة ومشابهة، وليدل عباده على قدرته، وهيمنته وعظمته، وتدبيره١وحكمته، ولقد جاءتا مقترنتين في سور مباركة كثيرة ؛ فحين حدثنا الكتاب العزيز عن ولادة مريم ونذر أمها أن تجعلها في خدمة البيت المقدس جاء قول الله تبارك وتعالى :{ هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين )٢ ؛ وبعد تمام القصة جاء قول الحق تبارك اسمه :{ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين )٣ ؛ وفي سورة كريمة أخرى جاء الحديث عن زكريا ويحيى، وتلاه على الأثر نبأ عيسى وأمه، يقول المولى جل ثناؤه :{ وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين. فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين. والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين )٤.
واذكر في الكتاب مريم أمر من الله تعالى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم أن اذكر في الكتاب الذي أوحيته إليك ـ وهو القرآن ـ نبأ مريم ؛ وقال بعض المحققين : ليس المراد كل الكتاب، وإنما هذه السورة منه ؛ ـ وهي مريم بنت عمران، من سلالة داود عليه السلام، وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل، وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمها لها في سورة آل عمران، وأنها نذرتها محررة، أي تخدم مسجد بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك ؛ فتقبلها ربها بقبول حين وأنبتها نباتا حسنا.. )٥ ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت إحدى العابدات الناسكات، المشهورات بالعبادة العظيمة، والتبتل الدؤوب ؛ وكانت في كفالة زوج أختها زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك وعظيمهم الذي يرجعون إليه في دينهم، ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره .. كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاق بغير حساب )٦ ـ فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف، وثمر الصيف في الشتاء... فلما أراد الله تعالى ـ وله الحكمة والحجة البالغةـ أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام، أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام { انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ، أي اعتزلتهم، وتنحت عنهم، وذهبت إلى شرقي المسجد المقدس...... فاتخذت من دونهم حجابا أي استترت منهم وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام ـ٧ : وأضيف الروح إلى الله تعالى تخصيصا وكرامة، ويسمى روح القدس لأنه يحمل الوحي المقدس من الله سبحانه إلى رسله عليهم السلام ؛ فتصور لها الملك جبريل بصورة بشر إنسان سوي الخلقة ؛ [ لأنها لم تكن لتطيق أو تنظر جبريل في صورته ؛ ولما رأت رجلا حسن الصورة في صورة البشر قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها بسوء ]٨ ؛ فقالت : إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا أي : إن كنت ممن يرجى منك أن تتقي الله فإني عائذة به منك ؛ قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا فأجابها الملك عليه السلام مزيلا لما حصل عندها من الخوف على نفسها :- لست مما تظنين، ولكني رسول ربك.. بعثني الله إليك ـ ٩ لأكون سببا في أن يهبك غلاما طاهرا ؛ ولقد جاءت البشرى إليها مفصلة في آيات أخر : إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين. ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين )١٠. { قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا فتعجبت مريم إذ بشرت بأنها ستلد، واستخبرت كيف يأتيها هذا الغلام وترزقه ؟ أمن زوج تتزوجه فيما بعد ؟ أم يبدئ الله خلقه فيها ؟ ! ؛ ما استبعدت من قدرة الله تعالى شيئا، لكنها تسأل، والحال أنها لم تتزوج فما مسها مستمتعا بها آدمي، وليست من البغايا الزواني حاشا ! [ وذكرت هذا تأكيدا ؛ لأن قولها لم يمسسني بشر يشمل الحلال والحرام ]١١. [ قال كذلك قال ربك هو علي هين ؛ قال الملك قال ربك : كذلك خلقه دون أن يكون لك بعل ليس بالأمر العسير علينا ؛ ولنجعله آية للناس علامة ودلالة على قدرتنا أن نخلق مولودا دون أب ؛ رحمة منا إذ هو مبعوث الحق إلى الخلق، فمن تبع دعوته دخل في رحمة مولاه ؛ وكان ذلك أمرا مقدرا وواقعا لابد منه ؛ وفي آيات كريمة جاء البيان مفصلا :{ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية إن كنتم مؤمنين )١٢
فحملته فانتبذت به مكانا قصيا ؛ فاستسلمت مريم لأمر الله العلي الكبير، واعتزلت وهو في بطنها وابتعدت إلى مكان ناء ـ قيل هو وادي بيت لحم١٣، بينه وبين إيلياء أربعة أميال١٤ـ وصحح القرطبي عن ابن عباس ما يفيد أن الحمل، والانتباذ، والطلق وآلام الوضع، تعاقبت دون طويل فاصل ؛ ولعل مما يستشهد به لهذا الرأي أن الآيات جاءت تعطف بالفاء -وهي للترتيب باتصال ـ : فحملته فانتبذت به مكانا قصيا. فأجاءها المخاض.. اضطرها وجع الولادة والطلق الذي يشتد ليحرك الجنين إلى خارج الرحم ـ اضطرها هذا إلى الالتجاء إلى ساق نخلة، ربما لتستند إليه وتتعلق به حين تلد ؛ قالت يا ليتني مت قبل هذا قالوا : تمنت مريم عليها السلام الموت إما لأنها خافت أن يظن بها الشر في دينها وتعير، فيفتنها ذلك، وإما لخوف أن يقع بسببها في البهتان والنسبة إلى الزنى وذلك مهلك ؛وعلى هذا الحد يكون تمني الموت جائزا ؛ وكنت نسيا منسيا شيئا شأنه أن ينسى، ولا يخطر ببال أحد.
فناداها من تحتها لما حضرها ألم الوضع، وشدة الحزن، وتمنت الموت خوف الفتنة ناداها جبريل١٥عليه السلام من مكان أسفل من الذي آوت إليه واستندت إلى النخلة فيه : ألا تحزني وكان نداؤه إياها : أن طيبي نفسا، واتركي عنك الحزن، قد جعل ربك تحتك سريا قد يسر الله لك ورود الماء، ففي هذا المنخفض يجري جدول ونهر بماء عذب، فكفيت السقيا والطهور.
وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا وادفعي النخلة وحركي ساقها ولو بأدنى حركة تميل نحوك ويتحدر منها الرطب الشهي النافع الذي اكتمل نضجه.
فكلي واشربي وقري عينا رعاك المولى، وأمدك بالطعام والماء ـ وبهما قيام الحياة ـ فاقتاتي وانشرحي صدرا ؛ فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ؛ وأما أمر الناس فلا عليك منهم، فكفّي عن مكالمتهم، ومن سألك فأشيري إليه أنك أوجبت على نفسك الصمت تقربا إلى البر الرحيم، وسيجيب عنك الروح القدس، ووحي الله العظيم


فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير