قَوْله تَعَالَى: فناداها من تحتهَا قرىء: " من " بِالْفَتْح وَالْكَسْر، فَأَما من قَرَأَ بِالْفَتْح فَحمل الْآيَة على أَن الْمُنَادِي كَانَ جِبْرِيل. وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَجَمَاعَة، وَأما من قَرَأَ بِالْكَسْرِ فَحمل على أَن الْمُنَادِي هُوَ عِيسَى. وَهَذَا قَول الْحسن وَمُجاهد، وَأظْهر الْقَوْلَيْنِ أَن الْمُنَادِي هُوَ جِبْرِيل، وَيجوز أَن تحمل القراءتان على ذَلِك.
وَفِي الْقِصَّة: أَن مَرْيَم كَانَت على أكمة، فَكَانَ جِبْرِيل وَرَاء الأكمة تحتهَا.
وَقَوله: أَلا تحزني. أَلا تغتمي بِالْولادَةِ من غير زوج وبالوحدة.
وَقَوله: قد جعل رَبك تَحْتك سريا أَكثر الْمُفَسّرين أَن السّري هَاهُنَا هُوَ: النَّهر، وَيُسمى سريا؛ لِأَنَّهُ يسري فِيهِ المَاء، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: هُوَ نهر صَغِير.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ هُنَاكَ نهر يَابِس فَأجرى الله تَعَالَى فِيهِ المَاء، وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا القَوْل أَن الله تَعَالَى قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى: فكلي واشربي أَي: كلي من الرطب، واشربي من النَّهر، وَقَالَ الشَّاعِر فِي السّري بِمَعْنى النَّهر:
| (سهل الْخَلِيفَة ماجد ذِي نائل | مثل السّري عدَّة الْأَنْهَار) |
من الْبشر أحدا فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا (٢٦) فَأَتَت بِهِ
| (إِن السّري إِذا سرى بِنَفسِهِ | وَابْن السّري إِذا سرى أسراهما) |