وقوله في دعائه هذا : رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي أي ضعف. والوهن : الضعف. وإنما ذكر ضعف العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه، وهو أصل بنائه فإذا وهن دل على ضعف جميع البدن، لأنه أشد ما فيه وأصلبه، فوهنه يستلزم وهن غيره من البدن.
وقوله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً الألف واللام في «الرأس » قاما مقام المضاف إليه. إذ المراد : واشتعل رأسي شيبا. والمراد باشتعال الرأس شيباً : انتشار بياض الشيب فيه. قال الزمخشري في كشافه : شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه، وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزاً، ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم الخاطب أنه رأس زكريا. فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة انتهى منه. والظاهر عندنا كما بينا مراراً : أن مثل هذا من التعبير عن انتشار بياض الشيب في الرأس، باشتعال الرأس شيبا أسلوب من أساليب اللغة العربية الفصحى جاء القرآن به، ومنه قول الشاعر :
| ضيعت حزمي في إبعادي الأملا | وما أرعويت وشيباً رأسي اشتعلا |
| واشتعل المبيض في مسوده | مثل اشتعال النار في جزل الغضا |
وهذا الذي ذكره الله هنا عن زكريا في دعائه من إظهار الضعف والكبر جاء في مواضع أخر. كقوله هنا : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً ٨ ، وقوله في «آل عمران » : وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ الآية. وهذا الذي ذكره هنا من إظهار الضعف يدل على أنه ينبغي للداعي إظهار الضعف والخشية والخشوع في دعائه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً ٤ أي لم أكن بدعائي إياك شقيا، أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك، يعني أنك عودتني الإجابة فيما مضى. والعرب تقول : شقى بذلك إذا تعب فيه ولم يحصل مقصوده. وربما أطلقت الشقاء. على التعب، كقوله تعالى : إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ١١٧ وأكثر ما يستعمل في ضد السعادة. ولا شك أن إجابة الدعاء من السعادة، فيكون عدم إجابته من الشقاء.
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان