ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ

هذا هو النداء، أو الدعاء الذي دعا به زكريا عليه السلام : رب إني وهن العظم مني.. " ٤ " ( سورة مريم ).
ويرد في الدعاء أن نقول : يا رب.
أو نقول : يا الله، فقال زكريا ( رب ) أي يا رب ؛ لأنه يدعو بأمر يتعلق بعطاء الربوبية الذي يشمل المؤمن والكافر، إنه يطلب الولد، وهذا أمر يتعلق ببنية الحياة وصلاحها للإنجاب، وهذه من عطاء الرب سبحانه وتعالى من بعد أبيه.
فكأن زكريا عليه السلام دعا ربه : يا رب يا من تعطى من آمن بك، وتعطى من كفر، يا من تعطى من أطاع، وتعطى من عصى، حاشاك أن تمنع عطاءك عمن أطاعك ويدعو الناس إلى طاعتك.
أما الدعاء بالله ففي أمور العبادة والتكليف. ثم يقدم زكريا عليه السلام حيثيات هذا المطلب :
رب إني وهن العظم مني.. " ٤ " ( سورة مريم )والوهن هو الضعف، وقال : وهن العظم مني.. " ٤ " ( سورة مريم )لأن لكل شئ قواما في الصلابة والقوة، فمثلا الماء له قوام معروف والدهن له قوام، واللحم له قوام، والعصب والعظم وكل عناصر تكوين الإنسان، والعظم هو أقوى هذه الأشياء والعظم في بناء الجسم البشرى مثل ( الشاسيه ) في لغة العصر الحديث، وعلى العظم يبنى جسم الإنسان من لحم ودم وعصب، فإذا أصاب العظام وهي أقوى العناصر ضعف فغيرها من باب أولى.
لذلك، فإن الرجل العربي حينما شكا الجدب والقحط ماذا قال ؟.
قال : مرت بنا سنون صعبة : فسنه أذابت الشحم أي : بعد الجوع وعدم الطعام وسنه أذهبت اللحم أي : بعد أن أنهت الشحم، وسنه محت العظم.
فكأن العظم هو آخر مخزن من مخازن القوت في جسم الإنسان ساعة أن ينقطع عنه الطعام والشراب. والعظم في هذه الحالة يوجه غذاءه للمخ خاصة ؛ لأنه ما دام في المخ بقيه قبول حياه فما حدث للجسم من تلف قابل للإصلاح والعودة إلى طبيعته، إذن : فسلامة الإنسان مرتبطة بسلامته المخ.
لذلك نجد الأطباء في الحالات الحرجة يركزون اهتمامهم على سلامه المخ، ويرتبون عليه حياة الإنسان أو موته، حتى إن توقف القلب فيمكنهم بالتدليك إعادته إلى حالته الطبيعية، أما إن توقف المخ فهذا يعنى الموت.
فكأن نبي الله زكريا عليه السلام يقول : يا رب ضعف عظمى، ولم يعد لدى إلا المصدر الأخير لاستبقاء الحياة.
ولما كان العظم شيئا باطنا مدفونا تحت الجلد، فهو حيثية باطنة، فأراد زكريا عليه السلام أن يأتي بحيثية أخرى ظاهرة بينة، فأتى بأمر واضح :( واشتعل الرأس شيبا.. " ٤ " ) ( مريم ) فشبه انتشار الشيب في رأسه باشتعال النار، فالشعر الأبيض الذي يعلوه واضح كالنار.
والمتأمل في هذا التشبيه يجد أن النار أيضا تتغذى على الحطب وتظل مشتعلة لها لهب يعلو طالما في الحطب الحيوية النباتية التي تمد النار، فإذا ما انتهت هذه الحيوية النباتية في الحطب أخذت النار في التضاؤل، حتى تصير جذوة لا لهب ثم تنطفئ.
واشتعال الرأس بالنار أيضا دليل على ضعف الجسم ووهن قوته ؛ لأن الشعر يكتسب لونه من مادة ملونة سوداء أو حمراء أو صفراء توجد في بصيلة الشعرة، وتمد الشعرة بهذا اللون، وضعف الجسم يضعف هذه المادة تدريجيا، حتى تختفي، وبالتالي تخرج الشعرة بيضاء، والبياض ليس لونا، إنما البياض عدم اللون نتيجة ضعف الجسم وضعف الغدد التي تفرز هذا اللون.
لذلك، نجد المترفين الذين يعنون كثيرا بشعرهم ويضعون عليه المواد المختلفة أول ما يظهر الشيب عندهم تبيض سوالفهم ؛ لأن السوالف عادة بعد أن يهذبها الحلاق تأخذ أكبر قدر من المواد الكاوية التي تؤثر على بصيلات الشعر وعلى هذه المادة الملونة. والشعرة مثل الأنبوبة يسهل توصيل هذه المواد منها خاصة بعد الحلاقة مباشرة وما تزال الشعرة مفتوحة.
ثم يقول : ولم أكن بدعائك رب شقيا " ٤ " ( سورة مريم )أي : لم أكن فيما مضى بسبب دعائي لك شقيا ؛ لأني مستجاب الدعوة عندك، فكما أكرمتني سابقا بالإجابة فلم أكن شقيا بدعائك، بل كنت سعيدا بالإجابة، فلا تخلف عادتك معي هذه المرة، واجعلني سعيدا بأن تجيبني، خاصة وأن طلبي منك طاعة لك، فأنا لا أريد أن أخرج من الدنيا إلا وأنا مطمئن على من يحمل المنهج، ويقوم بهذه المهمة من بعدى.
وأنت قد تدعو الله لأمر تحبه، فإذا لم يأت ما تحبه ولم تجب حزنت وكأنك قد شقيت بدعائك، وقد قد يكون شقائك كذب ؛ لأنك لا تدرى الحكمة من عدم الإجابة، لا تدرى أن الله تعالى يتحكم في تصرفاتك.
وربما تدعو لأمر تراه الخير من وجهة نظرك وفي علم الله أنه لا خير لك فيه، فمنعه عنك وعدل لك ما أخطأت فيه من تقدير الخير، فأعطاك ربك من حيث ترى أنه منعك، وأحسن إليك من حيث ترى أنه حرمك، لأنك طلبت الخير من حيث تعلم أنت أنه خير ومنع الله من حيث يعلم أن الخير ليس في ذلك.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير