ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ

ويدلُّ عليه أيضاً قوله تعالى١ ثُمَّ نُنَجِّي٢ الذينَ اتَّقَوْا ٣، أي : ننجي من الواردين من اتقى، ولا يجوز أن يقول " ثُمَّ نُنجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً " إلاَّ والكل واردون. والأخبار المروية دل على هذا القول، وهو ما روي عن عبد الله بن رواحة٤ قال٥ : أخبر الله تعالى عن الورود ولم يخبر بالصد٦، فقال النبي صلى الله عليه وسلم٧ " يا ابن رواحة " ٨ اقرأ ما بعدها " ثُمَّ نُنَجِّي٩ الذين اتقوا " ١٠ فدلَّ على أنَّ ابن رواحة فهم من الورود الدخول، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وعن جابر١١ أنَّه سُئِلَ عن هذه الآية، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" الورودُ الدخولُ، ولا يبقى بردٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، حتى إن للنار ضجيجاً من بردها١٢ " ١٣.
وقيل : المراد١٤ من تقدم ذكره من الكفار، فكنى عنهم أولاً كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة. قالوا : ولا يجوز أن يدخل الناء مؤمن أبداً لقوله تعالى : إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا ١٥ والمبعد١٦ عنها لا يوصف بأنه واردها، ولو وردوا١٧ جهنم لسمعوا١٨ حسيسها.
وقوله : وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ١٩ [ النمل : ٨٩ ]. والمراد في قوله٢٠ : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا الحضور والرؤية لا الدخول، كقوله : وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ ٢١ أراد به الحضور. وقال عكرمة : الآية في الكفار يدخلونها ولا يخرجون منها.
وقال ابن مسعود : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا يعني القيامة والكناية راجعة إليها٢٢.
وقال البغوي٢٣ : والأول أصح٢٤، وعليه أهل السنة أنهم جميعاً يدخلون النار، ثم يخرج الله منها أهل الإيمان، لقوله تعالى : ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا أي : الشرك، وهم المؤمنون، والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه٢٥.
قوله : كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً أي : كان٢٦ ورودكم جهنم حتماً لازماً مقضياً قضاه الله عليكم٢٧.
قوله : ثُمَّ نُنَجِّي . قرأ العامة : ثُمَّ نُنَجِّي " ٢٨ بضم " ثُمَّ " على أنَّها العاطفة٢٩.
وقرأ علي بن أبي طالب٣٠ -رضي الله عنه- وابن مسعود، وابن عباس، وأبي٣١، والجحدري٣٢ ويعقوب٣٣ " ثَمَّ " بفتحها٣٤ على أنَّها الظرفية٣٥، ويكون منصوباً بما بعده٣٦، أي : هُناك نُنَجِّي الذين اتََّقَوا.
وقرأ الجمهور " نُنَجِّي " ٣٧ بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم من نجَّى مضعفاً٣٨. وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن٣٩ " نُنَجِي " من أنْجَى٤٠.
والفعل على هاتين القراءتين مضارع٤١.
وقرأت فرقة٤٢ " نُجِّي " بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة٤٣، وهو على هذه القراءة ماض مبني للمفعول، وكان من حق قارئها أن يفتح الياء، ولكنه سكنه تخفيفاً.
وتحتمل هذه القراءة توجيهاً آخر سيأتي في قراءة متواترة في آخر سورة الأنبياء٤٤.
وقرأ علي بن أبي طالب -أيضاً- " نُنَحِّي " بحاء مهملة٤٥ من التنحية٤٦.
ومفعول " اتَّقَوْا " ٤٧ محذوف مراد للعلم به، أي : اتقوا الشرك والظلم٤٨.
قوله : جِثِيًّا إمَّا مفعول ثان إن كان " نَذَرُ " يتعدى لاثنين بمعنى أن " نترك ونصير " ٤٩.
وإمَّا حال إن جعلت " نَذَرُ " بمعنى نخليهم. و " جَثِيًّا " على ما تقدم٥٠.
و " فيها " يجوز أن يتعلق ب " نَذَرُ "، وأن يتعلق ب " جِثِيًّا " إن كان حالاً٥١ ولا يجوز ذلك فيه إن كان مصدراً٥٢، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال٥٣ من " جِثِيًّا "، لأنه في الأصل صفة لنكرة قدم٥٤ عليها فنصب حالاً٥٥.

فصل


اختلفوا في أنَّه كيف يندفع٥٦ عن المتقين ضرر النار إذا ورودها بأنَّ القول هو الدخول٥٧. فقيل :" البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه، وإذا كان كذلك لا يمتنع " ٥٨ أن يدخل٥٩ الكل في جهنم، ويكون المؤمنون في تلك المواضع الخالية عن النار والكفار في وسط النار، وعن جابر أنَِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول بعضهم لبعض : أليس٦٠ وعدنا ربنا٦١ أن نرد النار ؟ فيقال لهم : قد دخلتموها٦٢ وهي خامدة " ٦٣.
وقيل : إنَّ الله -تعالى- يخمد النار فيعبرها المؤمنون، وتنهار بالكافرين. قال٦٤ ابن عباس : يردونها كأنَّها إهالة٦٥. وقيل : إنَّ الله -تعالى- يجعل النار الملاصقة لأبدان المؤمنين برداً وسلاماً كما جاء في الحديث المتقدم٦٦، وكما في حق إبراهيم -عليه السلام٦٧-، وكما في حق٦٨ الكوز الواحد من الماء يشربه القبطي فيكون دماً، ويشربه الإسرائيلي فيكون ماء عذباً، وفي الحديث :" تقول النار للمؤمن٦٩ جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي " ٧٠. وعن مجاهد في قوله تعالى وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا قال : من حُمَّ من المسلمين فقد وردها. وفي الخبر " الحمى كنز من جهنم، وهي حظ المؤمن من النار " ٧١ واعلم أنه لا بُدَّ من أحد هذه الوجوه في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين. فإن قيل : إذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم فما الفائدة في ذلك الدخول ؟ فالجواب : أنَّ ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه. وأيضاً : فيه مزيد غم على أهل٧٢ النار حيث تظهر فضيحتهم عند من كان يخوفهم من النار فما كانوا يلتفتون إليه وأيضاً : إن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم فيزداد غم٧٣ الكفار وسرور المؤمنين. وأيضاً : فإن المؤمنين كانوا يخوفونهم بالحشر والنشر، ويستدلون على ذلك، فما كانوا يقبلون تلك الدلائل، فإذا دخلوا جهنم معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوه، وأنَّ المكذِّبين بالحشر والنشر كانوا كاذبين. وأيضاً : إنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة على ما قيل : وبضدها تتبين الأشياء٧٤.
١ تعالى: سقط من ب..
٢ في ب: ينجي الله..
٣ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢١/٢٤٤ بتصرف..
٤ هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، أخذ عنه أبو هريرة، وابن عباس، وأرسل عنه قيس بن أبي حازم، وجماعة، استشهد بمؤتة – رضي الله عنه – خلاصة تذهيب الكمال ٢/٥٥-٥٦..
٥ قال: سقط من الأصل..
٦ في الأصل: عن الصدور..
٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٩ في ب: ينجي الله..
١٠ هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي، أبو عبد الرحمن، صحابي مشهور، شهد العقبة، وغزا تسع عشرة غزوة، أخذ عنه بنوه، وطاوس، والشعبي، وعطاء، مات سنة (٨٧) هـ بالمدينة. خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ١/١٥٦-١٥٧..
١١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣/٣٢٩، وانظر الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف (١٠٧) والدر المنثور ٤/٢٨٠..
١٢ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢١/٢٤٤. بتصرف..
١٣ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢١/٢٤٣..
١٤ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢]..
١٥ في ب: والبعيد..
١٦ في ب: ورد..
١٧ في ب: يسمعوا..
١٨ [النمل: ٨٩]..
١٩ آخر ما نقله عن الفخر الرازي ٢١/٢٤٣..
٢٠ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٣٨٩..
٢١ [القصص: ٢٣]..
٢٢ آخر ما نقله عن الفخر الرازي ٥/٣٨٩..
٢٣ هو الحسين بن مسعود بن محمد أبو محمد البغوي، يعرف بابن الفراء، ويلقب محيي السنة وركن الدين أيضا، كان إماما في التفسير، والحديث، والفقه، ومن مصنفاته: معالم التنزيل في التفسير، وشرح السنة والمصابيح، والجمع بين الصحيحين، والتهذيب في الفقه، مات سنة ٥١٦ هـ.
طبقات المفسرين للسيوطي ٤٩-٥٠..

٢٤ في ب: والأول أصح قال البغوي..
٢٥ البغوي ٥/٤٨٩. وفيه: مما دخلت فيه لا ما وردت..
٢٦ كان: سقط من ب..
٢٧ انظر البغوي ٥/٣٩١..
٢٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٩ البحر المحيط ٦/٢٠٩..
٣٠ تقدم..
٣١ تقدمت ترجمته..
٣٢ هو عاصم بن أبي الصباح العجاج الجحدري البصري، أخذ القراءة عرضا عن سليمان بن قتة عن ابن عباس، وروى حروفا عن أبي بكر عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قرأ عليه عرضا أبو المنذر سلام بن سليمان، وغيره، مات سنة ١٢٨ هـ. طبقات القراء ١/٣٤٩..
٣٣ تقدم..
٣٤ المختصر (٨٦)، البحر المحيط ٦/٢١٠..
٣٥ في ب: وهي الظرفية..
٣٦ في ب: بعدها..
٣٧ ننجي: سقط من ب..
٣٨ السبعة (٤١١) الحجة لابن خالويه (٢٣٩) الكشف ٢/٩١..
٣٩ تقدم..
٤٠ أي: بإسكان النون وتخفيف الجيم. السبعة ٤١١، المختصر ٨٦، الحجة لابن خالويه ٢٣٩، الكشف ٢/٩١، الإتحاف (٣٠٠)..
٤١ وكلا القراءتين بمعنى واحد، إلا أنه في التشديد معنى التكرير والتكثير، كأنه نجاة بعد نجاة. الكشف ٢/٩١..
٤٢ فرقة: سقط من ب..
٤٣ البحر المحيط ٦/١٢٠..
٤٤ عند قوله تعالى: فاستجبنا له ونجيناه من الغمّ وكذلك ننجي المؤمنين الآية (٨٨)، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم وابن عامر. السبعة (٤٣٠)، الكشف ٢/١١٣، النشر ٢/٣٢٤..
٤٥ البحر المحيط ٦/٢١٠..
٤٦ في ب: التنحي..
٤٧ في ب: القول. وهو تحريف..
٤٨ انظر البحر المحيط ٦/٢١٠..
٤٩ ما بين القوسين في ب: ترك..
٥٠ على ما تقدم من الإعلال..
٥١ ما بين القوسين في ب: إما مفعول وإن كان (نذر) يتعدى لاثنين بمعنى ترك وإما حال..
٥٢ لأن المصدر في نية الموصول، ولا يتقدم معمول الموصول عليه، وكذلك المصدر لا يتقدم معموله عليه..
٥٣ حال: سقط من ب..
٥٤ في ب: للنكرة وقدم..
٥٥ لأنّ صفة النكرة إذا قدمت عليها نصبت على الحال، لامتناع الصفة على الموصوف. انظر ابن يعيش ٢/٦٣-٦٤..
٥٦ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢١/٢٤٤-٢٤٥..
٥٧ في ب: على القول بأن الورود هو الدخول..
٥٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٥٩ في الأصل: يدخلوا..
٦٠ في ب: ليس. وهو تحريف..
٦١ ربنا: سقط من ب..
٦٢ في ب: وردتموها..
٦٣ انظر الكافي الشاف في تخريج أحاديث (١٠٧)..
٦٤ في ب: فصل قال..
٦٥ الإهالة: ما أذبت من الشحم، وقيل الإهالة الشحم والزيت، وقيل كل دهن اؤتدم به إهالة، وقيل: الدسم الجامد. اللسان (أهل)..
٦٦ تقدم قريبا..
٦٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٦٨ حق: سقط من ب..
٦٩ في الأصل: للمؤمنين..
٧٠ أخرجه الحكيم الترمذي، وابن مردويه والخطيب والبيهقي عن يعلى بن أمية. الدر المنثور ٤/٢٨٢..
٧١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة ٥/٢٥٢، ٢٦٤، وانظر الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف (١٠٧)..
٧٢ في ب: إذا على..
٧٣ غم: مكرر في ب..
٧٤ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢١/٢٤٤-٢٤٥..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية