ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ

( ثم ننجي( عطف على مضمون ما سبق تقديره نوردكم جميعا في جهنم ثم ننجي قرأ الكسائي بالتخفيف من الأفعال والباقون بالتشديد من التفعيل ( الذين اتقوا( الشرك فيساقون إلى الجنة بلا تعذيب أو بعد التعذيب ( ونذر الظالمين( أي الكافرين ( فيها( أي في النار ( جثيا( جميعا وقيل جاثمين على الركب، والمراد بالورود والدخول وإن كان بطريق المرور على الصراط الذين هو على متن جهنم، وقال قوم من أهل الأهواء ليس المراد بالورود الدخول فإنه من يدخلها لا يخرج منها أبدا وقالوا النار لا يدخلها مؤمن أبدا لقوله تعالى :( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها( ١ بل المراد به الحضور والرؤية فإنهم يحضرون جميعا موضع الحساب وهو بقرب جهنم، ثم ينجي الله المتقين بأمرهم إلى الجنة ويذر الظالمين فيها حثيا يأمرهم إلى النار نظيره قوله تعالى :( ولما ورد ماء مدين( ٢ وقد كان موسى أشرف عليه ولم يدخله ويؤيده ما رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني بسند لا بأس به عن معاذ بن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من حرس وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا يأخذ السلطان لم ير النار بعينه إلا تحلة القسم وإن الله تعالى يقول :( وإن منكم إلا وارثها( " ٣.
قلنا : إطلاق الورود على الإشراف والحضور والرؤية تجزؤ لا يجوز ارتكابه إلا لضرورة ولا ضرورة ها هنا ويأبى عن هذا التأويل قوله تعالى :( ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا( الإنجاء والترك فيها لا يتصور إلا بعد الدخول ولا دليل في الحديث على عدم الدخول فإنه يثبت الرؤية تحلة القسم ولا ينفي الدخول ومعنى قوله تعالى :( أولئك عنها مبعدون( ٤ بعد ورودهم ( لا يسمعون حسيسها( ٥ إذ أبعدوا وقيل لا يسمعون حسيسها عند ورودهم النار لأن الله تعالى يجعلها عليهم بردا وسلاما أخرج هناد والطبراني والبيهقي عن خالد بن معدان قال إذا أدخل أهل الجنة الجنة قالوا ربنا ألم تعدنا أنا نرد النار ؟ ق'ال : بلى ولكنكم مررتم عليها وهي خامدة، وأخرجه ابن عدي والطبراني عن يعلى بن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" تقول النار للمؤمن يوم القيامة جزيا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي " ولنا على كون الورود بمعنى الدخول ولو على سبيل المرور ما أخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي عن ابي سمية قال : اختلفنا في الورود ؟ فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا يدخلونها جميعا ثم ننجي الذين اتقوا فلقيت جابر بن عبد الله فذكرت له فقال : وأهوى بأصبعه إلى أذنيه صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فيكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حتى أن للنار ضجيجا من بردهم ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ".
وذكر البغوي أنه روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أن نافع بن الأزرق مارى ابن عباس رضي الله عنه في معنى المورد، فقال ابن عباس هو الدخول وقال نافع ليس الورود الدخول فتلا ابن عباس :( بل نقذف بالحق على الباطل فيدفعه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون( أدخلها هؤلاء أم لاثم قال : يا نافع أما أنت وأنا سنردها وأنا أرجو أن يخرجني الله وما أرى الله يخرجك بتكذيبك، واخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد قال : خصم نافع بن الأزرق فذكر نحو ذلك وقال قرأ ابن عباس :( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون( قال : وردوا أم لا ؟ وقرأ :( يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار( ٦ وردها أم لا ؟ أما أنا وأنت فستدخلها فانظر هل تخرج منها أم لا ؟ وأخرج من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى : إن منكم إلا واردها يعني البر والفاجر ألم تسمع قوله تعالى :( فأوردهم النار وبئس اللورد المورود( وقوله تعالى ( ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا( ٧ وأخرج الحاكم عن ابن مسعود أنه سئل عن قوله تعالى :( وإن منكم إلا واردها( قال : وإن منكم إلا داخلها، وأخرج البيهقي عن عكرمة عن ابن عباس في الآية قال لا يبقى أحد ألا دخله فهذه الآيات مضمرة للورود بالدخول وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححه البيهقي عن ابن مسعود في قوله تعالى :( وإن منكم إلا واردها( قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يرد الناس كلهم النار ثم يصدون عنها بأعمالهم فأوهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كحفن الفرس ثم كالراكب في رحله ثم كشد الرجل ثم كمشيه " ٨ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : يرد الناس جميعا ورودهم قيامهم حول النار ثم يصدرون عن الصراط ومنهم من يمر كأجود الخيل ومنهم البرق ومنهم من يمر مثل الريح ومنهم من يمر حتى أن آخرهم سيرا نوره على موضع إلهام قدميه يمر كأجود الإبل ومن يمر كعدو، الرجل حتى أن آخرهم سيرا نوره على موضع إبهام قدميه يمر يتكفأ بيديه الصراط، وأخرجه الشيخان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم " ثم قرأ سفيان ( وإن منكم إلا واردها( ٩ وأخرج الطبراني عن عبد بن بشير الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد إلا عابر سبيل يعني الجواز على الصراط " وأخرج ابن جرير عن غنيم بن قيس قال ذكروا ورود النار فقال كعب نمسك النار الناس كأنها بين إهانة حتى يستوي عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم ثم ينادي مناد أن أمسكي أصحابك ودعي أصحابي قال : فيخسف بكل ولي لها هي أعلم بهم من الرجل بولده ويخرج المؤمنين ندية ثيابهم.
قال السيوطي فسر بعض علماء أهل السنة الورود بالدخول وهو أحد القولين في الآية ورجحه القرطبي واستشهد بحديث جابر ونحوه وفسر بعضهم بالمرور على الصراط ورجحه النوري واستشهد بما روى عن ابن مسعود وفيه ذكر المرور على الصراط وحديث أبي هريرة ونحوهما قلت : إذا كان الصراط على متن جهنم فالمرور يستلزم الدخول ولا يقضي الدخول بالوقوع في النار البتة ولذلك قلت فالمراد بالورود الدخول وإن كان على طريق المرور على الصراط جميعا بيثن الأحاديث فإن قيل قول الحسن والورود الممر عليها من غير أن يدخلها وكذا أخرج البيهقي عنه على أن المرور غير الدخول ؟ قلت المراد بالدخول في قول الحسن الوقوع والاستقرار في النار لا مطلق الدخول هكذا فيما أخرج هناد عن حفصة أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إني لرجو أن لايدخلها أحد شهد بدرا والحديبية، قالت : يا رسول الله أليس الله يقول :( وإن منكم إلا ورادها كان على ربك حتما مقضيا( قال : الم تسمعيه قال :( ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا( المراد فيه بعدم الدخول عدم الوقوع والاستقرار بدليل قوله ألم تسمعيه قال :( ثم ننجي( فإن هذا الجواب صريح في أن المراد بعدم الدخول عدم الاستقرار الذي مفاده الإنجاء وقال السيوطي قد أشفق كثير من السلف من تحقيق الورود واحتمال الصدور، أخرج هناد وأحمد في الزهد وسعيد بن منصور والحاكم والبيهقي عن حازم بن أبي حازم، رضي الله عنه قال بى عبد الله بن رواحة رضي الله عنه فقالت امرأته ما يبكيك ؟ قال : إني أنبئت أني وارد النار ولم أنبأ أني صادر، وأخرجه هناد والبيهقي عن أبي إسحاق قال قام أبو ميسرة وعمرو بن شرحبيل إلى فراشه فقال ليت أمي لم تلدني فقالت : امراته لم ؟ فقال : لأن الله أخبرنا أنا واردوا النار ولم يبين أنا صادرون عنهان وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن قال : قال رجل لأخيه هل أتاك أنك وارد النارظ قال : نعم، فقال : فهل أتاك أنك صادر عنها قال لا، قال : ففيم الضحك إذا ؟ فمارئي ضاحكا حتى مات.

١ سورة مريم، الآية: ٨..
٢ سورة القصص، الآية: ٢٣..
٣ في أحد إسنادي احمد ابن لهيعة. انظر مجمع الزوائد في كتاب: الجهاد، باب: الحرس في سبيل الله (٩٤٨٧)..
٤ سورة الأنبياء الآية: ١٠١..
٥ سورة الأنبياء الآية: ١٠٢..
٦ سورة هود الآية: ٩٨..
٧ سورة مريم الآية: ٨٦..
٨ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن باب: ومن سورة مريم (٣١٥٩)..
٩ أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: فضل من مات له ولد فاحتسب (١٢٥١) وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل من يموت له ولد فيحتسب (٢٦٣٢)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير