ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ

أصعب وجوهه، والضمير في قوله لَنَحْشُرَنَّهُمْ عائد للكفار القائلين ما تقدم، ثم أخبر أنه يقرن بهم الشَّياطِينَ المغوين لهم. وقوله جِثِيًّا جمع جاث كقاعد وقعود وجالس وجلوس وأصله جثووا وليس في كلام العرب واو متطرفة قبلها ضمة فوجب لذلك أن تعل، ولم يعتد هاهنا بالساكن الذي بينهما لخفته وقلة حوله فقلبت ياء فجاء جثويا فاجتمع الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت ياء ثم أدغمت ثم كسرت التاء للتناسب بين الكسرة والياء. وقرأ الجمهور «جثيا» و «صليا» [مريم: ٧٠] بضم الجيم والصاد، وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش «جثيا» و «صليا» [ذاته] بكسر الجيم والصاد وأخبر الله تعالى أنه يحضر هؤلاء المنكرين للبعث مع الشياطين فيجثون حول جهنم وهي قعدة الخائف الذليل على ركبتيه كالأسير.
ونحوه قال قتادة جِثِيًّا معناه على ركبهم وقال ابن زيد: الجثي شر الجلوس، و «الشيعة» الفرقة المرتبطة بمذهب واحد المتعاونة فيه كأن بعضهم يشيع بعضا أي ينبه، ومنه تشييع النار بالحطب وهو وقدها به شيئا بعد شيء، ومنه قيل للشجاع مشيع القلب فأخبر الله أنه ينزع مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أعتاها وأولاها بالعذاب فتكون تلك مقدمتها إلى النار. قال أبو الأحوص: المعنى نبدأ بالأكابر فالأكابر جرما، ثم أخبر تعالى في الآية بعد، أنه أعلم بمستحقي ذلك وأبصر لأنه لم تخف عليه حالهم من أولها إلى آخرها. وقرأ بعض الكوفيين ومعاذ بن مسلم وهارون القاري «أيّهم» بالنصب، وقرأ الجمهور «أيّهم» بالرفع، إلا أن طلحة والأعمش سكنا ميم «أيهم» واختلف الناس في وجه رفع «أي»، فقال الخليل رفعه على الحكاية بتقدير الذي يقال فيه من أجل عتوه «أيّهم» أشد وقرنه بقول الشاعر: [الكامل]

ولقد أبيت من الفتاة بمنزل فأبيت لا حرج ولا محروم
أي فأبيت يقال فيّ لا حرج ولا محروم. ورجح الزجاج قول الخليل وذكر عنه النحاس أنه غلط سيبويه في قوله في هذه المسألة، قال سيبويه: ويلزم على هذا أن يجوز أضرب السارق الخبيث أي الذي يقال له ع: وليس بلازم من حيث هذه أسماء مفردة والآية جملة وتسلط الفعل على المفرد أعظم منه على الجملة، ومذهب سيبويه أن «أيّهم» مبني على الضم إذ هي أخت «الذي ولما» وخالفتهما في جواز الإضافة فيها فأعربت لذلك، فلما حذف من صلتها ما يعود عليها ضعفت فرجعت إلى البناء، وكأن التقدير «أيّهم» هو أشد. قال أبو علي: حذف ما الكلام مفتقر إليه فوجب البناء، وقال يونس: علق عنها الفعل وارتفعت بالابتداء، قال أبو علي: معنى ذلك أنه معمل في موضع من كل شيعة إلا أنه ملغى لأنه لا تعلق جملة إلا أفعال الشك كظننت ونحوها مما لم يتحقق وقوعه، وقال الكسائي لَنَنْزِعَنَّ أريد به لننادين فعومل معاملة الفعل المراد فلم يعمل في «أي»، وقال المبرد «أيّهم» متعلق ب شِيعَةٍ فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تشايعوا «أيّهم» أشد كأنهم يتبارون إلى هذا ويلزمه أن يقدر مفعولا ل «ننزع» محذوفا. وقرأ طلحة بن مصرف «أيهم أكبر». وعِتِيًّا مصدر أصله عتووا وعلل بما علل جِثِيًّا وروى أبو سعيد الخدري «أنه يندلق عنق من النار فيقول إني أمرت بكل جبار عنيد» فتلتقطهم الحديث.
قوله عز وجل:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٠ الى ٧٢]
ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢)

صفحة رقم 26

أي نحن في ذلك النزع لا نضع شيئا غير موضعه لأنا قد أحطنا علما بكل أحد فالأولى بصلي النار نعرفه، و «الصلي» مصدر صلي يصلى إذا باشره قال ابن جريج: المعنى أَوْلى بالخلود، وقوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قسم، والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي عليه السلام «من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحلة القسم». وقرأ ابن عباس وعكرمة وجماعة «وإن منهم» بالهاء على إرادة الكفار فلا شغب في هذه القراءة، وقالت فرقة من الجمهور القارئين مِنْكُمْ المعنى قل لهم يا محمد فإنما المخاطب منكم الكفرة وتأويل هؤلاء أيضا سهل التناول، وقال الأكثر المخاطب العالم كله ولا بد من «ورود» الجميع، واختلفوا في كيفية «ورود» المؤمنين فقال ابن مسعود وابن عباس وخالد بن معدان وابن جريج وغيرهم:
«ورود» دخول لكنها لا تعدو على المؤمنين ثم يخرجهم الله منها بعد معرفتهم بحقيقة ما نجوا منه، وروي عن ابن عباس أنه قال في هذه المسألة لنافع بن الأزرق الخارجي: أما أنا وأنت فلا بد أن نردها، فأما أنا فينجيني الله منها، وأما أنت فما أظنه ينجيك. وقالوا: في القرآن أربعة أوراد معناها الدخول هذه أحدها، وقوله تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود: ٩٨]، وقوله وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً [مريم: ٨٦]، وقوله إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨]، وقالوا كان من دعاء بعض السلف «اللهم أدخلني النار سالما وأخرجني منها غانما». وروى جابر بن عبد الله عن النبي عليه السلام أنه قال «الورود في هذه الآية هو الدخول». وأشفق كثير من العلماء من تحقق الورود والجهل بالصدر، وقالت فرقة بل هو ورود إشراف واطلاع وقرب كما تقول وردت الماء إذا جئته، وليس يلزم أن تدخل فيه، قال وحسب المؤمنين بهذا هؤلاء ومنه قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ [القصص: ٢٣]، وروت فرقة أن الله تعالى يجعل يوم القيامة النار جامدة الأعلى كأنها اهالة. فيأتي الخلق كلهم، برهم وفاجرهم، فيقفون عليها ثم تسوخ بأهلها ويخرج المؤمنون الفائزون لم ينلهم ضر، قالوا فهذا هو «الورود»، وروت حفصة أن رسول الله ﷺ قال «لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية»، فقالت يا رسول الله وأين قول الله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها، فقال رسول الله ﷺ «فمه ثم ننجي الذين اتقوا»، ورجح الزجاج هذا القول بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] ع: وهذا ضعيف وليس هذا موضع نسخ وقال عبد الله بن مسعود: ورودهم هو جوازهم على الصراط وذلك أن الحديث الصحيح تضمن «أن الصراط مضروب على جسر جهنم فيمر الناس كالبرق وكالريح وكالجواد من الخيل على مراتب ثم يسقط الكفار في جهنم وتأخذهم كلاليب»، قالوا فالجواز على الصراط هو «الورود» الذي تضمنته هذه الآية، وقال مجاهد: ورود المؤمنين هو الحمى التي تصيب في دار الدنيا، وفي الحديث «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء»، وفي الحديث «الحمى حظ كل مؤمن من النار»، وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال لرجل مريض عاده من الحمى: إن الله تعالى يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من نار الآخرة فهذا هو الورود. و «الحتم» الأمر المنفذ المجزوم، وقرأ أبي بن كعب وابن عباس «ثم ننجي» بفتح الثاء من

صفحة رقم 27

المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي

تحقيق

عبد السلام عبد الشافي محمد

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1422 - 2001
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية