ﮘﮙﮚ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٢:وكنموذج من " التذكرة والذكر " اللذين يتضمنهما الذكر الحكيم، عرض كتاب الله وصفا مؤثرا ومثيرا لما خص الله به يوم القيامة من مشاهد العظمة والجلال، وما يتقلب فيه الخلق يومئذ على اختلاف معتقداتهم ومقاماتهم من الخوف والرجاء، وهم بين يدي الكبير المتعال، وقد جاءت بداية هذا الوصف في عدة آيات من الربع الماضي، واسترسل نفس الوصف في آيات أخرى من هذا الربع.
ويستفاد من هذا الوصف أن الله تعالى سيجمع عباده ويحشرهم جميعا يوم القيامة، وأنهم سيجيبون في ذلك اليوم لدعوة الداعي مسرعين مهطعين، دون تردد ولا تخلف، على خلاف ما كانوا عليه في الدنيا من تجاهل الدعاة إلى الله، والإعراض عنهم، والسخرية منهم يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له .
ويستفاد من هذا الوصف أيضا ما يقتنع به الخلق يومئذ، خصوصا عباد الشهوات الذين أسرفوا على أنفسهم، من تفاهة متاع الحياة الدنيا، وقلة أهميتها، وقصر مدتها، بالنسبة للحياة الآخرة قل متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى [ النساء : ٧٧ ].
وأمام هذا الشعور الطارئ يتسارون فيما بينهم، ويتساءلون من شدة الذهول : كم قضوا في حياتهم الأولى من مدة ؟ فيقول قائلهم : قضينا عشر ليال، ويقول أمثلهم : قضينا يوما واحدا يتخاطفون بينهم إن لبثتم إلا عشرا، نحن أعلم بما يقولون، إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ، وبنفس هذا المعنى ورد قوله تعالى في آية ثانية : قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، فسل العادين [ المؤمنون : ١١٢ ١١٣ ]. ويوجد من بينهم من يشعر بأن مدة حياته كلها كانت أقصر من ذلك، وأنها لم تزد عن ساعة واحدة، وتعبيرا عن شعور هذا الصنف من الخلق جاءت الآية الكريمة : ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة، كذلك كانوا يوفكون [ الروم : ٥٥ ].
والغريب في الأمر أنه بمجرد ما يسيطر عليهم هذا الشعور يخيل إليهم أنهم قد وجدوا عذرا يعتذرون به أمام الله عن تقصيرهم واستهتارهم، ويخامرهم الأمل في الخلص من قبضة الله، والإفلات من الحساب والعقاب، بدعوى أن مدة حياتهم التي قضوها في الدار الفانية كانت مدة قصيرة لا تكفي للتذكر والاعتبار، ولا تساعد على الاستعداد للدار الباقية، ثم يصرخون في جهنم قائلين : ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل فيرد عليهم الحق سبحانه وتعالى بقوله : أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير، فذوقوا، فما للظالمين من نصير [ فاطر : ٣٧ ].
ويستفاد من هذا الوصف أيضا ما يتعرض له العالم عند قيام الساعة من ظواهر كونية تقلب الأرض عاليها سافلها، ومن تلك الظواهر نسف الجبال ودكها دكا، حتى لا يبقى منها عين ولا أثر ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا، فيذرها قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، ويشير لهذا المعنى نفسه قوله تعالى في سورة المرسلات : إنما توعدون لواقع * فإذا النجوم طمست * وإذا السماء فرجت * وإذا الجبال نسفت * وإذا الرسل أقتت لأي يوم أجلت، ليوم الفصل * وما أدراك ما يوم الفصل [ الآيات : ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٢، ١٣، ١٤ ]. وقد اهتدى العلم الحديث بطرائقه الخاصة إلى نفس النتيجة الحتمية التي أعلنها كتاب الله منذ أربعة عشر قرنا، ألا وهي أن الكون سيعترض لانقلاب شامل تتغير به معالمه، وتختل معه نواميسه ودعائمه.
ويستفاد من هذا الوصف أيضا ما يكون عليه الخلق يومئذ من الرهبة والجزع، وما يعلو وجوههم من الوجوم والفزع، حتى إذا ما تحادثوا فيما بينهم تحادثوا همسا دون جلبة ولا ضوضاء، بحيث لا يسمع لهم نطق ولا كلام، من هول ذلك المقام وعنت الوجوه للحي القيوم وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا .
ويستفاد من هذا الوصف أيضا ما أعده الله يوم الفصل من خيبة وخسران، للظالمين الذين لم يؤدوا حقوق الله، فكفروا به وأشركوا، ولم يقدروا الله حق قدره، أو لم يؤدوا حقوق العباد فعرضوهم للضياع والهلاك، وما أعده من شقاء في الدنيا وعماء في الآخرة للمعرضين عن كتابه، المتجاهلين لخطابه، الذين عميت منهم البصائر والأبصار، فلم ينفع فيهم تبشير ولا إنذار، وقد خاب من حمل ظلما ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى * وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .
ويستفاد من هذا الوصف أيضا أن الوساطات والشفاعات التي اعتدها الناس في حياتهم بالنسبة للعصاة والمذنبين، جربا مع أهوائهم ومصالحهم، لا تأثير لها في الآخرة، لكن هناك شفاعة خالية من الأغراض والأهواء، يأذن بها الحق سبحانه وتعالى لمن يشاء، من المشفوع فيهم والشفعاء يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا .
وإلى جانب هذا كله تعهد الحق سبحانه وتعالى في هذا الوصف، للمؤمنين الصالحين من عباده، بالنصرة والتأييد، والهداية والتسديد، والسعادة الحقيقية التي لا يشوبها شقاء، في الدنيا والآخرة على السواء، فقال تعالى : ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ، وقال تعالى : فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى .


التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير