ﮘﮙﮚ

ثم يقول الحق سبحانه : فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ( ١٠٦ ) :
قَاعًا صَفْصَفًا ( ١٠٦ ) ( طه ) : أرضا مستوية ملساء لا نبات فيها ولا بناء، والضمير في فيذرها.. ( ١٠٦ ) ( طه ) : يعود على الأرض لا على الجبال ؛ لأن الجبال لا تكون قاعا صفصفا١، أما الأرض مكان الجبال فتصير ملساء مستوية، لا بناء فيها ولا جبال، فالأرض شيء والجبال فوقها شيء آخر.
ومن ذلك أيضا قوله تعالى : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين٢وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين ( ٩ ) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ( ١٠ ) ( فصلت ).
فالضمير في : وبارك فيها وقدر فيها أقواتها.. ( ١٠ ) ( فصلت ) : لا يعود على الأرض، إنما على الجبال٣. لأن الجبال في الحقيقة هي مخازن القوت ومصدر الخصب للأرض، التي هي مصدر القوت، فالإنسان مخلوق من الأرض، واستبقاء حياته من الأرض، فالنبات قوت للإنسان وللحيوان، والنبات والحيوان قوت للإنسان.
إذن : لا بد للأرض من خصوبة تساعدها وتمدها بعناصر الغذاء، ولو أن الخالق – عز وجل – جعل الأرض هكذا طبقة واحدة بها المخصبات لانتهت هذه الطبقة بعد عدة سنوات، ولأجدبت الأرض بعد ذلك.
إذن : خلق الله الجبال لحكمة، وجعلها مصدرا للخصب الذي يمد الأرض مددا دائما ومستمرا ما بقيت الحياة على الأرض، ومن هنا تتضح لنا حكمة الخالق - سبحانه – في أن تكون الجبال صخرا أصم، فإذا ما تعرضت لعوامل التعرية على مر السنين تتفتت منها الطبقة الخارجية نتيجة لتغير الظروف المناخية من حرارة وبرودة.
ثم تأتي الأمطار وتعمل في الصخر عمل المبرد، وتكون ما يسمى بالغرين٤، فتحمل هذا الفتات إلى الوديان ومجاري الأنهار، وتوزعه على طبقة الأرض، فتزيدها خصبا تدريجيا كل عام، وإلا لو كانت الجبال هشة غير متماسكة لانهالت في عدة أعوام، ولم تؤد هذا الغرض. لذلك نقول : إن الجبال هي مصدر القوت، وليست الأرض.
ألا ترى أن خصوبة الوادي والدلتا جاءت من طمى النيل، والغرين الذي يحمله الماء من أعالي أفريقيا. وهذا الغرين الذي ينحت من الجبال هو الذي يسبب الزيادة في رقعة اليابسة، وتستطيع أن تلاحظ هذه الظاهرة في المدن المطلة على البحر، فبعد أن كانت على شاطئه أصبحت الآن داخل اليابسة.
وقد مثلنا سابقا للجبل بأنه مثلث قاعدته إلى أسفل، والوادي مثلث قاعدته إلى أعلى، فكل نحت في الجبل زيادة في الوادي، وكأن الخالق – عز وجل – جعل هذه الظاهرة لتتناسب مع زيادة السكان في الأرض.
وقد حذف العائد في فيذرها.. ( ١٠٦ ) ( طه ) : اعتمادا على ذهن السامع ونباهته إلى أنه لا يكون إلا ذلك، كما في قوله تعالى : قل هو الله أحد ( ١ ) ( الإخلاص ) : فلم يذكر عائد الضمير ( هو ) لأنه إذا قيل لا ينصرف إلا إلى الحق سبحانه وتعالى، وإن لم يتقدم اسمه.
وكما في قوله تعالى : حتى توارت بالحجاب ( ٣٢ ) ( ص ) : والمراد : الشمس التي غابت، ففاتت سليمان – عليه السلام - الصلاة، ولم تذكر الآية شيئا عن الشمس٥.
كذلك في : ما ترك على ظهرها من دابة.. ( ٤٥ ) ( فاطر ) : أي : على الأرض ولم تذكرها الآية، كذلك هنا ( فيذرها ) أي الأرض.

١ الأرض الصفصف: الملساء المستوية. وقال الفراء: الصفصف الذي لا نبات فيه، (لسان العرب – مادة صفصف)..
٢ قال ابن كثير في تفسيره (٤ / ٩٣): (يعني: يوم الأحد ويوم الإثنين)..
٣ قال قتادة ومجاهد: خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها. وقال السدي والحسن: أرزاق أهلها ومصالحهم. (تفسير القرطبي ٩ / ٦٠٠٧)..
٤ الغرين: الطين الذي يحمله السيل فيبقى على وجه الأرض رطبا أو يابسا. قال الأصمعي: الغرين أن يجيء السيل فيثبت على الأرض، فإذا جفت رأيت الطين رقيقا على وجه الأرض قد تشقق. (لسان العرب – مادة: غرن)..
٥ ذكره السيوطي في كتابه: (الإتقان في علوم القرآن) (٣ / ١٨٦) ضمن أمثلة (حذف الفاعل) في فصل (أنواع الحذف)، وقال: (لا يجوز إلا في فاعل المصدر)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير