تمهيد :
تتحدث الآيات عن مشاهد القيامة ؛ فالجبال تنسف نسفا وتصبح رمادا، والأرض كلها تصبح ملساء مستوية ليس فيها منخفضات أو مرتفعات، وينادي المنادي حين ينفخ في الصور، فيقوم الناس من قبورهم لا يتكلمون إلا همسا.
والشفاعة عندئذ لله وحده ولمن أذن له بذلك، والله عليم بالخلق أجمعين، ولا يحيطون بما علمه، وقد ذلّت الوجوه واستجابت لأمر الله، وخاب الظالمون والمشركون، أما المؤمنون فلهم جزاء كامل ؛ لا نقص فيه ولا حيف.
١٠٩- يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا .
في ذلك اليوم، لا تنفع الشفاعة أحدا من الناس، إلا لمن أذن له الرحمن في الشفاعة، ورضي سبحانه قول الشافع فيمن يشفع له.
إن الشفاعة في ذلك اليوم لا تتم إلا على أساس مقبول ؛ إذ يجب أن يكون المشفوع له من أهل لا إله إلا الله، كما قال ابن عباس.
أي : يجب أن يكون من أهل التوحيد، وأن تكون الشفاعة بالعدل والقسطاس المستقيم، وهذا كقوله تعالى : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه... . ( البقرة : ٢٥٥ ).
وكقوله سبحانه : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى... . ( الأنبياء : ٢٨ ).
وكقوله عز وجل : وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى . ( النجم : ٢٦ ).
وخلاصة القول : إنما تنفع الشفاعة لمن أذن له الرحمن في أن يشفع، وكان له قول يُرضى.
قال عز شأنه : يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلّمون إلا من أذن له الرّحمن وقال صوابا . ( النبأ : ٣٨ ).
إنه يوم الدين أي : الجزاء العادل، فلا ظلم في ذلك اليوم، ولا مخالفة، ولا حيف ؛ لأن الأمور كلها بيد الله سريع الحساب.
قال تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبّة من خرذل أتينا بها وكفى بنا حاسبين . ( الأنبياء : ٤٧ ).
وقد ورد في الصحيحين : أن الموقف إذا اشتد واشتد الزحام، ألهم الناس أن الشفاعة للأنبياء، فيذهبون إلى آدم، ثم إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى فيقول كل واحد منهم : نفسي نفسي، إن الجبار غضب اليوم غضبا شديدا لم يغضب مثله، ثم يذهبون إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيقول : أنا لها، أنا لها ) ثم يذهب تحت العرش فيخرّ ساجدا لله تعالى، ثم يلهمه الله من الثناء على الله والحمد لله بما هو له أهل، ثم يقول سبحانه :( يا محمد، ارفع رأسك وقل يسمع قولك، واشف تشفع ) فذلك قوله تعالى : عسى أن يبعثك ربّك مقاما محمودا . ( الإسراء : ٧٩ ).
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة