ثم حض على الاعتبار في هذه الدار، فقال :
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى * وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ الْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى
قلت : أفلم الهمزة للإنكار التوبيخي، والفاء للعطف على محذوف، أي : أغْفَلوا فلم يهد لهم. وعدى الهداية باللام لتضمنها معنى التبيين، والفاعل مضمونُ كم أهلكنا ، أي : أفلم يُبين لهم مآل أمرهم كثرة إهلاكنا للقرون الأولى ؟ وقيل : الفاعل ضمير عائد إلى الله. و كم… الخ : مُعلق للفعل سد مسد مفعوله. أي : أفلم يُبين الله لهم كثرة إهلاك القرون من قبلهم ؟ والأوجه : أنْ لا يُلاحظ له مفعول، كأنه قيل : أفلم يفعل الله لهم الهداية، ثم قيل بطريق الالتفات : كم أهلكنا… الخ ؛ بيانًا لتلك الهداية. و مِنَ القُرون : في محل نصب، نعت لمفعول محذوف، أي : قرنًا كائنًا من القرون.
وجملة يمشون : حال من القرون، أي : أهلكناهم وهم في حال أمن وتقلب في ديارهم، أو من الضمير في " لهم "، مؤكد للإنكار، والعامل :" يهد "، والمعنى : أفلم يهد لهم إهلاكنا للقرون السالفة، كقوم نوح ولوط وأصحاب الأيكة، حال كونهم، أي : قريش - ماشين في مساكنهم إذا سافروا إلى الشام -.
يقول الحقّ جلّ جلاله : أفَلَمْ يَهْدِ لهم أي : أو لم يُبين لهم عاقبة أمرهم كم أهلكنا قبلَهم من القرون أي : كثرة إهلاكنا للقرون السالفة قبلهم، وهم يمشون في مساكنهم إذا سافروا إلى الشام، كأصحاب الحجر، وثمود، وفرعون، وقوم لوط، مشاهدين لآثار ديارهم خاربة، مع علمهم بما جرى عليهم، بسبب تكذيبهم، فإنَّ ذلك مما يُوجب أن يهتدوا إلى الحق، فيعتبروا، لئلا يحل بهم مثل ما حلّ بأولئك، أو : أفلم يهد لهم كثرة إهلاكنا للقرون السالفة قبلهم، حال كونهم آمنين، يمشون في ديارهم ويتقلبون في رباعهم فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [ الأعراف : ٧٨ ].
إِنّ في ذلك الإهلاك الفظيع لآياتٍ كثيرة عظيمة واضحة الهداية، دالة على الحق لأُولي النُّهى ؛ لذوي العقول الناهية عن القبائح، التي من أقبحها ما يتعاطاه كفار مكة من الكفر بآيات الله، والتعامي عنها، وغير ذلك من فنون المعاصي.
فاصبر، أيها المتوجه إلى الله، المنفرد بطاعة مولاه، على ما يقولون، مما يُكدر القلوب، واشتغل بذكر ربك وتنزيهه، مع الطلوع والغروب وآناء الليل والنهار، حتى تغيب في حضرة علام الغيوب، لعلك ترضى بمشاهدة المحبوب. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي