ثم يقول الحق سبحانه : أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى ( ١٢٨ ) .
الهداية : الدلالة والبيان، وتهديه أي : تدله على طريق الخير.
والاستفهام في : أفلم يهد لهم.. ( ١٢٨ ) ( طه ) : والاستفهام يرد مرة لتعلم ما تجهل، أو يرد للتقرير بما فعلت.
فالمراد : أفلم ينظروا إلى الأمم السابقة وما نزل بهم لما كذبوا رسل الله ؟ كما قال في آية أخرى : وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ( ١٣٧ ) ( الصافات ).
وقال سبحانه : والفجر ( ١ ) وليال عشر ( ٢ ) والشفع والوتر ( ٣ ) والليل إذا يسر ( ٤ ) هل في ذلك قسم لذي حجر١ ( ٥ ) ألم تر كيف فعل ربك بعاد ( ٦ ) إرم ذات العماد ( ٧ ) التي لم يخلق مثلها في البلاد ( ٨ ) وثمود الذين جابوا٢الصخر بالواد ( ٩ ) وفرعون ذي الأوتاد ( ١٠ ) ( الفجر ).
ألا ترون كل هذه الآيات في المكذبين ؟ ألا ترون أن الله ناصر رسله ؟ ولم يكن سبحانه ليبعثهم، ثم يتخلى عنهم، ويسلمهم، كما قال سبحانه : وإن جندنا لهم الغالبون ( ١٧٣ ) ( الصافات )، وقال : ولينصرن الله من ينصره.. ( ٤٠ ) ( الحج ).
وبعد هذا كله يعرض المكذبون، وكأنهم لم يروا شيئا من هذه الآيات.
وساعة ترى ( كم ) فاعلم أنها للشيء الكثير الذي يفوق الحصر، كما تقول لصاحبك : كم أعطيتك، وكم ساعدتك. أي : مرات كثيرة، فكأنك وكلته ليجيب هو بنفسه، ولا تستفهم منه إلا إذا كان الجواب في صالحك قطعا.
فمعنى : أفلم يهد لهم.. ( ١٢٨ ) ( طه ) : يعني : يبين لهم ويدلهم على القرى الكثيرة التي كذبت رسلها، وماذا حدث لها وحاق بها من العذاب، وكان عليهم أن يتنبهوا ويأخذوا منهم عبرة ولا ينصرفوا عنها.
وقوله تعالى : يمشون في مساكنهم.. ( ١٢٨ ) ( طه )، كقوله : وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ( ١٣٧ ) ( الصافات ) فليس تاريخا يحكى إنما واقع ماثل ترونه بأعينكم، وتسيرون بين أطلاله إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى ( ١٢٨ ) ( طه ) : أي : عجائب لمن له عقل يفكر.
وكلمة ( النهى ) جمع نهية، وهي العقل، وهذه الكلمة تحل لنا إشكالات كثيرة في الكفر، فالبعض يظن أن الله تعالى خلق لنا العقل لنرتع به في مجالات الفكر كما نشاء، وننفلت من كل القيود.
إنما العقل من العقال الذي يعقل به البعير حتى لا ينفلت منك، وكذلك عقلك يعقلك، وينظم حركتك حتى لا تسير في الكون على هواك، عقلك لتعقل به الأمور فتقول : هذا صواب، وهذا خطأ. قبل أن تقدم عليه.
فالسارق لو عقل ما يفعل ما أقدم على سرقة الناس، وما رأيك لو أبحنا للناس جميعا أن يسرقوك، وأنت فرد، وهم جماعة ؟
الحق ساعة يعقل بصرك أن يمتد لما حرم عليك فلا تقل : ضيق علي، لأنه أمر الآخرين أن يغضوا أبصارهم عن محارمك، والغير أكثر منك، إذن : فأنت المستفيد. فإن أردت أن تعربد في أعراض الناس، فأبح لهم أن يعربدوا في أعراضك.
والنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه شاب يشكو عدم صبره على غريزة الجنس، يريد أن يبيح له الزنا والعياذ بالله، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يلقنه درسا يصرفه عن هذه الجريمة، فماذا قال له ؟
قال :( يا أخا العرب، أتحب هذا لأمك ؟ أتحب هذا لأختك ؟ أتحب هذا لزوجتك ؟ ) والشاب يقول في كل مرة : لا يا رسول الله جعلت فداك. ولك أن تتصور ماذا ينتاب الواحد منا إن سمع سيرة أمه وأخته وزوجته في هذا الموقف.
ثم يقول صلى الله عليه وسلم للشاب بعد أن هزه هذه الهزة العنيفة :( كذلك الناس لا يحبون ذلك لأمهاتهم، ولا لزوجاتهم، ولا لأخواتهم، ولا لبناتهم ).
وهنا قال الشاب :( فوالله ما همت نفسي لشيء من هذا إلا وذكرت أمي وزوجتي وأختي وابنتي )٣.
إذن : فالعقل هو الميزان، وهو الذي يجري المعادلة، ويوازن بين الأشياء، وكذلك إن جاء بمعنى النهى أو اللب فإنها تؤدي نفس المعنى : فالنهى من النهي عن الشيء، واللب أي : حقيقة الشيء وأصله، لا أن يكون سطحي التفكير يشرد منك هنا وهناك.
٢ جابه يجوبه: قطعه. جابوا: أي قطعوا الصخر ونحتوه وصنعوا منه بيوتهم وأصنامهم. (القاموس القويم ١ / ١٣٥)..
٣ أخرجه أحمد في مسنده (٥ / ٢٥٦، ٢٥٧)، والطبراني في معجمه الكبير (٨ / ١٩٠، ٢١٥) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا له قائلا: (اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه) فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء..
تفسير الشعراوي
الشعراوي