قوله : قل١ كل متربص كل مبتدأ، و متربص خبره، أفرد حملا على لفظ كل ٢.
والمعنى كل منا ومنكم متربص منتظر عاقبة أمره، وذلك أن٣ المشركين قالوا : لنتربص بمحمد حوادث الدهر فإذا مات٤ تخلصنا. قال الله تعالى٥ : فتربصوا فانتظروا فستعلمون إذا جاء أمر الله، وقامت القيامة، وظهر٦ أمر الثواب والعقاب فإنه يتميز المحق من المبطل.
ويحتمل أن يكون المراد قبل الموت إما٧ بسبب الجهاد وإما بسبب ظهور الدولة والقوة٨.
قوله : فستعلمون من أصحاب يجوز في٩ من ١٠ وجهان :
أظهرهما١١ : أن تكون استفهامية مبتدأة١٢، و أصحاب خبره، والجملة في محل نصب سادة مسد المفعولين١٣.
والثاني : ويعزى للفراء : أن تكون موصولة بمعنى الذين، و ( أصحاب ) خبر مبتدأ مضمر، أي هم١٤ أصحاب١٥. وهذا على مقتضى مذهبهم، يحذفون مثل هذا العائد وإن لم تطل الصلة١٦. ثم ( علم ) يجوز أن تكون عرفانية فتكتفي بهذا المفعول وأن تكون على بابها فلا بد من تقدير ثانيهما.
قوله : الصراط السّويّ قرأ العامة " السّويّ " على وزن فعيل بمعنى المستوي١٧ وقرأ أبو مجلز١٨ وعمران بن ( حدير )١٩ ٢٠ " السَّوَاء " بفتح السين والمد بمعنى٢١ الوسط الجيد٢٢.
وقرأ يحيى بن يعمر٢٣ والجحدري " السُّوَا " على فُعلى٢٤ باعتبار أن " الصراط " يذكر ويؤنث٢٥. وقرأ ابن عباس :" السَّوْءَ " بفتح السين بمعنى٢٦ الشر٢٧. وروي عنهما ( السُّوَّى )٢٨ بضم السين وتشديد الواو٢٩، ويحتمل ذلك وجهين :
أحدهما٣٠ : أن يكون قلب الهمزة واوا وأدغم الواو في الواو٣١، وأن يكون فُعلَى من ( السواء ) وأصله ( السِّوْيَا ) فقلبت الياء واوا، وأدغم أيضا، وكان قياس هذه ( السِّيَّا )، لأنه متى اجتمع ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء٣٢، وهنا فعل بالعكس٣٣ ٣٤ وقرئ " السُّوَيّ " بضم السين وفتح الواو وتشديد الياء تصغير ( سَوء ) قاله الزمخشري.
قال أبو حيان : وليس بجيد إذ لو كان كذلك أثبت٣٥ همزة ( سَوْء )٣٦، والأجود أن يكون تصغير ( سواء ) كقولهم عطي في عطاء٣٧.
قال شهاب الدين : وقد جعله أبو البقاء أيضا تصغير ( السَّوْء ) بفتح الهمزة٣٨ ويرد عليه ما تقدم إيراده على الزمخشري٣٩. وإبدال مثل هذه الهمزة جائز فلا إيراد٤٠ ٤١.
قوله ومن اهتدى فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تكون استفهامية، وحكمها كالتي قبلها إلا في حذف العائد٤٢.
الثاني : أن في محل رفع على ما تقدم في الاستفهامية٤٣.
الثالث : أن في محل جر نسقا على " الصراط " أي وأصحاب من اهتدى٤٤. وعلى هذين الوجهين تكون موصولة.
قال أبو البقاء في الوجه الثاني : وفيه عطف الخبر على الاستفهام، وفيه تقوية قول الفراء٤٥ يعني أنه إذا جعلها موصولة كانت خبرية.
ومعنى الكلام : فستعلمون إذا جاء أمر الله وقامت القيامة من أصحاب الصراط المستقيم ومن اهتدى من الضلالة نحن أم أنتم.
٢ "كل" إذا قطعت عن الإضافة لفظا يجوز مراعاة اللفظ، وهو الإفراد، لأن لفظها مفرد، نحو قوله تعالى: قل كل يعمل على شاكلته [الإسراء: ٨٤] وقوله تعالى: فكلا أخذنا بذنبه [العنكبوت: ٤٠] ومراعاة المعنى، لأن معناها جمع نحو قوله تعالى: وكل كانوا ظالمين [الأنفال: ٥٤] قاله أبو حيان. انظر المغني ١/٢٠٠..
٣ في ب: لأن..
٤ في ب: فإذا جاء أي إذا مات..
٥ تعالى: سقط من ب..
٦ في ب: أظهر..
٧ في ب: أو..
٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٨..
٩ في ب: أن. وهو تحريف..
١٠ في ب: هذه..
١١ في ب: أحدهما..
١٢ في ب: خبرية مبتدأ. وهو تحريف..
١٣ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٨٠، البيان ٢/١٥٦، التبيان ٢/٩١٠، البحر المحيط ٦/٢٩٢..
١٤ في ب: فهم..
١٥ حيث قال في معاني القرآن: (وقوله: "فستعلمون من أصحاب الصراط السويّ" الذين لم يضلّوا) ٢/١٩٧. وابن الأنباري وأبو البقاء لم يجوّزوا هذا الوجه لأن فيه حذف العائد المرفوع في صلة غير (أي)، وهذا لا يجوز عند البصريين إلا إن طالت الصلة. انظر البيان ٢/١٥٦، التبيان ٢/٩١٠..
١٦ أي أن الكوفيين يجوّزون حذف العائد المرفوع في صلة الموصول وإن لم تستطل الصلة. يقيسون على ذلك قراءة يحيى بن يعمر "تماما على الذي أحسن" بالرفع [الأنعام: ١٥٤]. وقراءة مالك بن دينار وابن السماك "ما بعوضة" بالرفع [البقرة: ٢٦].
وقول الشاعر:
من يعن بالحمد لا ينطق بما سفه ** * ولا يحد عن سبيل المجد والكرم
وتبعهم ابن مالك إلا أنه جعله قليلا فقال:
وإن لم يستطل فالحذف نزر***...
انظر شرح الأشموني ١/١٦٨ – ١٦٩..
١٧ انظر التبيان ٢/٩١٠، البحر المحيط ٦/٢٩٢..
١٨ هو لاحق بن حميد بن سدوس بن شيبان، وكان ينزل خراسان وعقبه بها وكان عمر بن عبد العزيز بعث إليه فأشخصه ليسأله عنها، وكان أبو مجلز عاملا على بيت المال وعلى ضرب السكة، وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز قبل وفاة الحسن البصري. المعارف ٤٦٦..
١٩ هو عمران بن حدير أبو عبيدة السدوسي البصري ثقة. روى الحروف عن لاحق بن حميد وعكرمة، روى عنه الحروف عباس بن الفضل الأنصاري، مات سنة ١٤٩ هـ. طبقات القراء ١/٦٠٤..
٢٠ ما بين القوسين في ب: حصين. وهو تحريف..
٢١ في ب: يعني..
٢٢ التبيان ٢/٩١٠، البحر المحيط ٦/٢٩٢..
٢٣ في ب: وقرأ أبو يعمر. وهو تحريف..
٢٤ في ب: على يفعل. وهو تحريف..
٢٥ الصراط مذكر، وأنثه يحيى بن يعمر بدليل قراءته هذه، قال ابن الأنباري: (ولا نعلم أحدا من العلماء باللغة حكى تأنيث الصراط، فإن صحت هذه القراءة عن ابن يعمر، ففيه أعظم الحجج، وهو من أجلاء أهل اللغة والنحو وكتاب الله جل ثناؤه نزل بتذكير الصراط، وكذلك هو في أشعار العرب) المذكر والمؤنث ١/٤٢٢. وانظر المحيط ٦/٢٩٢..
٢٦ بمعنى: سقط من ب..
٢٧ انظر التبيان ٢/٩١٠، البحر المحيط ٦/٢٩٢..
٢٨ السُّوّى: سقط من ب..
٢٩ البحر المحيط ٦/٢٩٢..
٣٠ في ب: الأول..
٣١ فيكون أصل (السٌوّى) (السّوأى) فتبدل الهمزة واوا لأنها مفتوحة وقبلها ضمة، والساكن الذي بينهما ليس بحاجز حصين وأدغمت الواو في الواو فصارت (السوّى) انظر الكتاب ٣/٥٤٣، شرح الملوكي ٢٦٥..
٣٢ انظر شرح الملوكي ٤٦١..
٣٣ في ب: بالكسر. وهو تحريف..
٣٤ الكشاف ٢/٤٥٣..
٣٥ في الأصل: كتبت..
٣٦ فتقول: "سؤى"..
٣٧ البحر المحيط ٦/٢٩٣..
٣٨ التبيان ٢/٩١٠..
٣٩ من أنه لو كان كذلك لثبتت همزة (سوء)..
٤٠ لأن الهمزة المفتوحة المضموم ما قبلها إذا أردت تخفيفها أبدلتها..
٤١ الدر المصون ٥/٤٣..
٤٢ انظر التبيان ٢/٩١٠..
٤٣ أي تكون موصولة بمعنى الذي. التبيان ٢/٩١٠..
٤٤ فتكون موصولة أيضا. التبيان ٢/٩١٠..
٤٥ في جعله "من" في قوله: "من أصحاب" موصولة، فيكون عطف الخبر على الخبر. التبيان ٢/٩١٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود