(إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)
لهذه الجملة السامية بيان لمعنى ما يوحى الله به مما يجب الاستماع له والأخذ به وتبليغه، وأن يخاطب به فرعون، وما ذكره في هذا المقام، هو لب التدين، فلبُّ التدين هو عبادة الله وحده وإقامة الصلاة لذكر الله تعالى، والخشوع والركوع والسجود، فالصلاة كلها ذكر لله تعالى، وهي شرعت لتمتلئ القلوب بالله، ولتكون مطمئنة لذكر الله تعالى: (... أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، وذكر الله تعالى هو الذي ينقي القلوب من أدران الهوى، والقلوب التي تذكر الله تعالى لَا يدخلها الشيطان، ولا يسكن الشيطان إلا القلوب الفارغة من ذكر الله تعالى، ولقد قال الزمخشري في معنى (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي)، " لذكري: أي
لتذكرني فإن ذكري أن أعبد وليصلي لي، أو لتذكري فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار... أو لذكري خاصة لَا تشوبه بذكر غيري أو لإخلاص ذكري، وطلب وجهي لَا ترائي بها، ولا تقصد بها غرضا آخر، أو لتكون لي ذاكرا غير ناسٍ، فعل المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على بال منهم وتوكيل هممهم وأفكارهم به، كما قال تعالى: (... لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكرِ اللَّهِ...). هذه معان متوافقة غير متضاربة لكلمة (لِذِكْرِي) ولتوافقها صح أن تكون كلها داخلة في معنى هذه الكلمة السامية (لِذِكرِي).
بعد ذلك ذكر سبحانه لموسى عليه السلام الإيمان بالقيامة والبعث، وما يتصل بالآخرة، وإن هذا فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة، فالإيمان بالبعث وما يعقبه هو قوام الشخصية المؤمنة وهو الإذعان، وبه يكون السير إلى الله، ولذا جعل من أركان الإيمان مع التوحيد والصلاة لامتلاء النفس بذكر الله تعالى.
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة