ومن ذلك ما حكاه كتاب الله على لسان موسى قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ، وموسى بهذه المقالة كان واثقا من نصر ربه، وكان ساعيا في إبراز المعجزة التي جاء بها على مرأى ومسمع أكبر عدد ممكن من الناس، ولذلك تواعد مع فرعون وسحرته على يوم عيد، حتى تهرع إليه الجماهير من كل صوب وحدب، وهو " يوم الزينة " الذي يتفرغ فيه الناس من أعمالهم، ولنفس الغاية اقترح موسى أن يكون اجتماع الناس ذلك اليوم في وقت الضحى، الذي هو أوضح فترة من فترات النهار بعد شروق الشمس، إذ لو تواعد معهم عند طلوع الفجر أو عند الظهيرة لما حضر إلا القليل، ولو تواعد معهم عند المساء لما ظهرت المعجزة على الوجه الأكمل، لغلبة الظلام واختلاط الرؤية، قال ابن كثير تعقيبا على هذه الآية : " وهكذا شأن الأنبياء، كل أمرهم بين واضح، ليس فيه خفاء ولا ترويج، ولهذا لم يقل ليلا، ولكن نهارا ضحى "، وقال القرطبي تعليقا على نفس الآية : " وإنما واعدهم ذلك اليوم، ليكون علو كلمة الله، وظهور دينه، وزهوق الباطل، على رؤوس الأشهاد، وفي المجمع الغاص ( بالناس )، لتقوى رغبة من رغب في الحق، ويكل حد المبطلين وأشياعهم، ويكثر التحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جمع أهل الوبر والمدر ".
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري