ثم يقول الحق سبحانه : قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ( ٥٩ ) .
معلوم أن الحدث يحتاج إلى محدث له، ويحتاج إلى مكان يقع عليه، ويحتاج إلى زمان يحدث فيه، وقد عرفنا المحدث لهذا اللقاء، وهما موسى وهارون من ناحية، وفرعون وسحرته من ناحية.
وقد حدد فرعون المكان، فقال : مكانا سوى ( ٥٨ ) ( طه ) : بقي الزمان لإتمام الحدث ؛ لذلك حدده موسى، فقال : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ.. ( ٥٩ ) ( طه ) ؛ لأن الحدث لا يتم إلا في زمان ومكان.
لذلك لا نقول : متى الله ولا : أين الله ؟ فالحق – تبارك وتعالى – ليس حدثا، ومتى وأين مخلوقة لله تعالى، فكيف يحده الزمان أو المكان ؟
وقول موسى : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ.. ( ٥٩ ) ( طه ) : ولم يقل : يوم الاثنين أو الثلاثاء مثلا، ويوم الزينة يوم يجتمع فيه كل سكان مصر، يظهر أنه يوم وفاء النيل، فيخرجون في زينتهم مسرورين بفيضان النيل وكثرة خيره وبركاته، ومازالت مصر تحتفل بهذا اليوم.
وكان القاضي لا يقضي بأمر الخراج إلا بعد أن يطلع على مقياس النيل، فإن رآه يوفي بري البلاد حدد الخراج وإلا فلا.
لكن، لماذا اختار موسى هذا اليوم بالذات ؟ لماذا لم يحدد أي يوم آخر ؟ ذلك، لأن موسى – عليه السلام – كان على ثقة تامة بنصر الله له، ويريد أن تكون فضيحة فرعون على هذا الملأ، ووسط هذا الجمع، فمثل هذا التجمع فرصة لا يضيعها موسى ؛ لأن النفس في هذا اليوم تكون مسرورة منبسطة، فهي أقرب في السرور لقبول الحق من أي وقت آخر.
وقوله : وأن يحشر الناس ضحى ( ٥٩ ) ( طه ) أي : ضاحين، ويوم الزينة يمكن أن يكون في الصباح الباكر، أو في آخر النهار، لكن موسى متمكن واثق من الفوز، يريد أن يتم هذا اللقاء في وضح النهار، حتى يشهده الجميع.
تفسير الشعراوي
الشعراوي