ﮇﮈﮉﮊﮋﮌ ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬ

- ٧- اتهام موسى بالسحر
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٥٦ الى ٥٩]
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)
الإعراب:
مَكاناً سُوىً مَكاناً بدل منصوب من مَوْعِداً ولا يجوز نصبه بقوله مَوْعِداً لأن مَوْعِداً قد وصف بقوله: لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ والمصدر إذا وصف لا يعمل ويجوز أن يجعل مَكاناً منصوبا بنزع الخافض: في.
سوى: يقرأ بكسر السين وبضمها، فمن قرأ بالكسر، فلأن «فعل» لم يأت في الوصف إلا نادرا نحو: قوم عدى، ولحم زيم. والضم أكثر لأن «فعل» في الوصف كثير، نحو: لكع وحطم.
مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ.. يَوْمُ: خبر مَوْعِدُكُمْ على تقدير حذف مضاف، أي موعدكم وقت يوم الزينة، ولا يجوز أن يكون يَوْمُ ظرفا لأن العرب لم تستعمله مع الظرف استعمال سائر المصادر، ولهذا قال تعالى: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ [هود ١١/ ٨١] بالرفع إذ يراد به هنا المصدر، ولو قلت: إن خروجكم الصبح، لم يجز فيه إلا النصب، أي وقت الصبح.
وموعد مصدر بمعنى الوعد في الأظهر.
والموعد: يكون مصدرا وزمانا ومكانا بلفظ واحد، وَأَنْ يُحْشَرَ معطوف بالرفع على يَوْمُ الزِّينَةِ أي موعدكم وقت يوم الزينة، وموعدكم وقت حشر الناس، فحذف المضاف أيضا.
البلاغة:
سُوىً ضُحًى... سجع حسن.

صفحة رقم 229

المفردات اللغوية:
أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها بصرنا فرعون آيات معهودة هي الآيات التسع المختصة بموسى.
فَكَذَّبَ بها وزعم أنها سحر. وَأَبى امتنع أن يوحد الله تعالى أو أبي الإيمان والطاعة، لعتوه. لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا مصر، ليصبح لك الملك فيها. بسحر مثله يعارضه.
مَوْعِداً ميعادا معينا لذلك. لا نُخْلِفُهُ لا نخلف ذلك الوقت في الاجتماع فيه، إذا جعل (موعد) هنا هو الزمان، وإذا جعل مصدرا أي لا نخلف ذلك الموعد. سُوىً أي وسطا، تستوي إليه مسافة الجائي من الطرفين.
قالَ موسى. مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ يوم عيد كان لهم، يتزينون فيه ويجتمعون، ويوم: بضم الميم، وقرأ الحسن بالنصب، فمن رفع فعلى أنه خبر المبتدأ، والمعنى: وقت موعدكم يوم الزينة، ومن نصب فعلى الظرف، معناه: موعدكم يقع يوم الزينة. والسؤال وقع عن مكان الموعد، وطابقه من حيث المعنى ذكر الزمان، وإن لم يطابق لفظا لأنهم لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان معين مشهود باجتماع الناس في ذلك اليوم، فبذكر الزمان علم المكان.
وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ يجمعون. ضُحًى وقت ارتفاع شمس النهار.
المناسبة:
بعد سؤال فرعون عن رب موسى، ذكر الله تعالى أنه بصره بالآيات الدالة على توحيد الله، مثل رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى وقوله:
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً والدالة على نبوة موسى مثل العصا واليد البيضاء، فكذب بكل هذا، واتهم موسى بالسحر، وطلب المبارزة مع السحرة، وتحديد مكان اللقاء وموعد الاجتماع.
التفسير والبيان:
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى أي وتالله لقد بصرنا فرعون وعرفناه آياتنا الدالة على قدرتنا وتوحيدنا وعلى نبوة موسى، كالآيات التسع «١».

(١) وهي العصا، واليد، وفلق البحر، والحجر، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونتق الحل.

صفحة رقم 230

وغيرها من الحجج والبراهين، فعاين ذلك وأبصره، ولكنه كذب بها، وأبى الاستجابة للإيمان والحق، كفرا وعنادا وبغيا، كما قال تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [النمل ٢٧/ ١٤] وقال سبحانه: لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ، وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [الإسراء ١٧/ ١٠٢].
ثم ذكر الله تعالى شبهة فرعون وصفة تكذيبه، فقال:
قالَ: أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى أي قال فرعون لموسى مستنكرا معجزة العصا واليد: هل جئت يا موسى من أرض مدين لتخرجنا من أرضنا مصر بما أظهرته من السحر، وهو قلب العصا حية؟ توهم الناس بأنك نبي يجب عليهم اتباعك، حتى تتوصل بذلك إلى أن تغلب على أرضنا وتخرجنا منها. وإنما ذكر فرعون الإخراج من الأرض لتنفير قومه عن إجابة موسى، وحملهم على السخط على موسى والغضب منه، والعمل على طرده وإخراجه من مصر.
فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ أي لنعارضنك بمثل ما جئت به من السحر، فإن عندنا سحرا مثل سحرك، فلا يغرنك ما أنت فيه.
فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً أي حدد لنا يوما معلوما ومكانا معلوما، نجتمع فيه نحن وأنت، فنعارض ما جئت به بما عندنا من السحر، لا نخلف ذلك الوعد من قبل كل منا. وقد فوض فرعون تعيين الموعد إلى موسى إظهارا لكمال اقتداره.
وليكن المكان مكانا مستويا ظاهرا لا ارتفاع فيه ولا انخفاض، ليظهر فيه الحق، أو مكانا وسطا بين الفريقين، حتى لا يكون عذر في التخلف.
قالَ: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ، وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى أي قال موسى

صفحة رقم 231

عليه السلام: موعد الاجتماع يوم العيد (عيد النيروز) الذي يتزين فيه الناس، وفي وقت الضحى، ليكون الاجتماع عاما في يوم يفرغ فيه الناس من أعمالهم، ويجتمعون جميعا، ويتحدثون بنتيجة المبارزة، فتظهر الدعوة، وتعلو كلمة الحق، ويزهق الباطل، وليكون الضوء غالبا، وفي نشاط أول النهار، فلا يشكوا في المعجزة، ويشاهدوا قدرة الله على ما يشاء، ومعجزات الأنبياء، وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية.
واختيار هذا الوعد دليل على الثقة بالنصر، وسبيل لإيضاح الحجة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١- لم يبق عذر لفرعون في كفره، بعد إرسال موسى وهارون رسولين إليه، وتأييدهما بالمعجزات الدالة على نبوة موسى، وإبدائهما البراهين والدلائل والحجج على وحدانية الله وقدرته، وهذا يدل على أنه كفر عنادا لأنه رأى الآيات عيانا لا خبرا، واقتنع بها في أعماق نفسه، كما قال سبحانه: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [النمل ٢٧/ ١٤].
٢- حاول فرعون تأليب قومه وتحريضهم على معاداة موسى وطرده، باتهامه بأنه بحسب عقلية الحاكم يريد إخراج الناس من مصر، والاستيلاء على السلطة.
٣- وحاول أيضا إبطال المعجزات النبوية بالسحر، ظنا منه أن ما جاء به موسى من الآيات سحر يوهم الناس به لاتباعه والإيمان به، فإذا عورض السحر بمثله، تبين للناس أن ما أتى به موسى ليس من عند الله.
٤- طلب فرعون من موسى تعيين يوم معلوم ومكان معروف لا يخلف فيه أحد الطرفين الوعد، إيهاما للناس بمدى الثقة به، وبكمال اقتداره، وإنهاء دعاوى موسى في يوم مشهود للجميع.

صفحة رقم 232

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية