توقف العلماء طويلا حول هذه الآية، لأن فيها قراءتين(١)( إن هذان ) بسكون ( إن ) والأخرى ( إن هذان ) بالتشديد.
والقراءة التي نحن عليها قراءة حفص : إن هذان لساحران.. ( ٦٣ ) ( طه )، و ( إن ) شرطية إن دخلت على الفعل، كما نقول : إن زارني زيد أكرمته، وتأتي نافية بمعنى ما، كما في قوله تعالى : الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم.. ( ٢ ) ( المجادلة )
فالمعنى : ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، كذلك في قوله تعالى : إن هذان لساحران.. ( ٦٣ ) ( طه ) فالمعنى : ما هذان إلا ساحران، فتكون اللام في : لساحران.. ( ٦٣ ) ( طه ) :: بمعنى إلا. كأنك قلت : ما هذان إلا ساحران.
وتأتي اللام بمعنى إلا، إذا اختلفنا مثلا على شيء، كل واحد منا يدعيه لنفسه، فيأتي الحكم يقول : لزيد أحق به، كأنه قال : ما هذا الشيء إلا لزيد. إذن : اللام تأتي بمعنى إلا.
وعلى القراءة الثانية بالتشديد ( إن هذان لساحران ) فإن حرف ناسخ ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، تقول : إن زيدا مجتهد، أما في الآية بهذه القراءة :( إن هذان لساحران ) جاء اسم هذان بالرفع بالألف ؛ لأنه مثنى، والقاعدة تقتضي أن نقول ( هذين ).
فكيف يتم توجيه إن المشددة الناسخة وبعدها الاسم مرفوع ؟
قالوا : هذه لغة كنانة إحدى قبائل العرب، وكان لكل قبيلة لهجتها الخاصة ولغتها المشهورة فيقولون : جعجعة خزاعة، وطُمطُمانيّة حِمير(٢)، وتلتلة بهراء(٣)، وفحفحة هذيل.. الخ.
ولما نزل القرآن نزل على جمهرة اللغة القرشية ؛ لأن لغات العرب جميعها تصب في لغة قريش في مواسم الحج والشعر والتجارة وغيرها، فكانت لغة قريش هي السائدة بين لغات كل هذه القبائل، لذلك نزل بها القرآن، لكن الحق تبارك وتعالى أراد أن يكون للقبائل الأخرى نصيب، فجاءت بعض ألفاظ القرآن على لهجات العرب المختلفة للدلالة على أن القرآن ليس لقريش وحدها، ليجعل لها السيادة على العرب، وإنما جاء للجميع.
ومن لهجات القبائل التي نزل بها القرآن لهجة كنانة التي تلزم المثنى الألف في كل أحواله رفعا ونصبا وجرا(٤). وشاهدهم في كتب النحو قول شاعرهم(٥) :
واها لسلمى ثم واها واها****يا ليت عيناها لنا وافاها
هي المنى لو أننا نلناها****وموضع الخلخال من قدماها
إن أباها وأبا أباها **** قد بلغا في المجد غايتاها
فقال : إن أباها. ولم يقل : إن أبيها، لأنه يلزم المثنى الألف.
إذن : لم ينزل القرآن بلغة قريش على أنها لغة سيادة، وإنما لأنها تنطوي على زبدة فصاحات لغات الجزيرة كلها، وكانت لغة قريش تصفى في مواسم الشعر والأدب في عكاظ وذي المجنة وغيرها.
نعود إلى قول الحق تبارك وتعالى : قَالُوا إِنْ هَاذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا.. ( ٦٠ ) ( طه ) ويبدو أن استدعاء فرعون لقومه على موسى وهارون جاء بنتيجة ونالت حيلته من نفوسهم ؛ لذلك يرددون نفس كلام المعلم الكبير فرعون، فيتهمون موسى وهارون بالسحر.
وقولهم : ويذهبا بطريقتكم المثلى ( ٦٣ ) ( طه ) : طريقتهم المثلى.
أي : ما ارتضاه القوم للعيش عليه، والمذهب والطريق الذي سلكوه.
والمراد بالطريقة المثلى التي ساروا عليها أنهم اتخذوا واحدا منهم إلها يعبدونه ويأتمرون بأمره، تلك هي الطريقة المثلى(٦) ! ! والمثلى : أي : الفاضلة مذكرها أمثل.
٢ الطمطمة: العجمة. ورجل طمطم بالكسر، أي: في لسانه عجمة لا يفصح. وفي صفة قريش: ليس فيهم طمطمانية حمير، شبه كلام حمير لما فيه من الألفاظ المنكرة بكلام العجم. (لسان العرب – مادة: طمطم)..
٣ تلتلة بهراء: كسرهم تاء تفعلون يقولون: تعلمون وتشهدون ونحوه. (لسان العرب – مادة: تلل)..
٤ هذا هو القول الأول من الأقوال الستة التي ذكرها القرطبي في تفسيره (٦ / ٤٣٩٠) لتوجيه قراءة (إن هذان لساحران) وقال: هي لغة بني الحارث بن كعب وزبيد وخثعم وكنانة بن زيد. وقال أبو جعفر النحاس: هذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية، إذ كانت هذه اللغة معروفة، وقد حكاها من يرتضى علمه وأمانته..
٥ نسب هذا الشاهد لرؤبة بن العجاج، ونسبه آخرون لأبي النجم الفضل بن قدامة العجلي، وقيل: لبعض أهل اليمن، وانظر شرح شواهد ابن عقيل (ص ٧)، وشرح شذور الذهب لابن هشام الأنصاري، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد (ص٦٨)..
٦ وقد قال تعالى عن فرعون أنه قال: إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد (٢٦) (طه) (غافر). وقال في آية أخرى: قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا ما سبيل الرشاد (٢٩) (غافر)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي