تمهيد :
تبين الآيات : موقف السحرة ؛ حين خيروا موسى بين أن يلقي بسحره، وبين أن يبدءوا هم، فطلب منهم البدء فألقوا حبالا وعصيا، صارت تتحرك وتثير الرهبة والإكبار في عين من رآها، حتى موسى عليه السلام توجس خيفة من هول ما رأى، لكن الله جلّت قدرته سدد خطاه وثبته، وأمره أن يلقي عصاه، فألقى موسى العصا فابتلعت حبال السحرة، وهنا أيقن السحرة أن عمل موسى ليس سحرا، بل هو معجزة من عند الله، فخروا ساجدين، قائلين : آمنا برب هارون وموسى وتهددهم فرعون بالعذاب الشديد، فلم يترددوا في إيمانهم ؛ بل أصروا عليه مختارين الإيمان والنجاة في الآخرة على كل متع الدنيا.
كبيركم : زعيمكم ومعلمكم.
من خلاف : من حال مختلفة، فتقطع الأيدي اليمنى، والأرجل اليسرى.
أشد عذابا : أدوم.
٧١- قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علّمكم السحر...
كان فرعون قد ادعى الربوبية فقال : أنا ربكم الأعلى . ( النازعات : ٢٤ ). وادعى الألوهية وقال : ما علمت لكم من إله غيري . ( القصص : ٣٨ ). وفوجئ فرعون بإيمان السحرة، وسجودهم لله رب العالمين، وخشي أن يمتد الإيمان إلى سائر الشعب ؛ فادعى : أنها مؤامرة، وادعى : أن موسى هو المعلم الذي تعلموا على يديه السحر، وأنهم بيتوا هذا الأمر ؛ ليتظاهروا أمام الناس بأنهم غُلبوا، وهدد السحرة بالغضب والانتقام، والعذاب الأليم.
فلأقطّعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف .
أي : قال آمنتم بموسى قبل أن أعطيكم الإذن بذلك ؛ فلأقطّعنّ أيديكم اليمنى وأرجلكم اليسرى من خلاف .
أي : لا يكون القطع لليد والرجل عن وفاق ؛ فيقطع اليد اليمنى والرجل اليمنى ؛ فيكون للإنسان نصف كامل، بل يريد أن ينتشر النقص في الجسم كله.
ولأصلبنّكم في جذوع النخل .
أي : لأصلبنكم على جذوع النخل من النخل من باب التشهير والتنكيل.
قال ابن عباس : فكان أول من عذب بهذا العذاب.
ولتعلمنّ أيّنا أشدّ عذابا وأبقى .
أي : لتعلمن أيها السحرة أيّنا أشد تعذيبا لكم، وأبقى في إنزال الهلاك بكم ؛ أنا أم موسى وربّه ؟
وكأنه بهذا التهديد يريد أن يهون من كل عذاب ؛ سوى عذابه لهم.
وفي سورة الأعراف يقول الله تعالى : قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون. لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنّكم أجمعين . ( الأعراف : ١٢٤، ١٢٣ ).
لكن الإيمان كان قد خالط قلوب السحرة، فاستهانوا بكل تهديد ووعيد، واستعدوا لكل تضحية في سبيل الإيمان الجديد.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة